دون أي ضجيج أو مشاكل انطلقت أمس الأول فعاليات مهرجان أفلام السعودية في مدينة الدمام وسط تنافس مميز لعدد كبير من المبدعين السعوديين على جوائزه، إذ يشارك فيه 55 سيناريو و70 فيلما قرر أصحابها أن يتجاوزوا الجدل الكلاسيكي عن «السينما» في السعودية ويؤسسوا لتاريخ جديد في صناعة الفن السابع.. تاريخ يقفز بشجاعة على الحواجز الوهمية ويؤكد أن عدم وجود دور سينما في بلادهم لا يعني موت هذا الفن فيها كما هو متصور.
ترك القائمون على المهرجان والمشاركون فيه الجدل حول «دور السينما» لكتاب الصحف وخصومهم، وركضوا للأمام مثبتين أن الصراع حول «الوسيلة» مضيعة للوقت والجهد في زمن وفرت فيه شبكة إلكترونية مثل «يوتيوب» دار سينما مجانية في هاتف كل سعودي، المسألة مشابهة كثيرا لوضع أناس يتشاجرون داخل «حافلة متوقفة» حول الطريق الأفضل للمكان الذي يريدون الوصول إليه، فيما قفز بعضهم من الحافلة واستقلوا مركبة أحدث وأسرع، ووصلوا إلى المكان المقصود، ومازالوا ينتظرون من «المتشاجرين» اللحاق بهم دون جدوى.. هو درس يقدمه لنا المبدعون السعوديون الجدد الذين علمتهم تقنيات عصرهم أن «صناعة الحلول» أسهل وأكثر فائدة من تعطيل الغايات بالجدل البيزنطي المستمر بين الباحثين عن تسجيل بطولات كلامية أو كتابية تعمق المشاكل دون أن تصل بنا إلى أي مكان.
حظي المهرجان الذي تنفذه جمعية الثقافة والفنون بدعم كبير من الجهات المختصة كما صرح القائمون عليه وهذا هو الطبيعي والمتوقع، فبالفن تسمو الشعوب وتتصالح مع واقعها وتسهم في تغييره إلى الأفضل.. الفن كالهواء يتسرب من أصغر الشقوق مهما حاول أعداؤه ومبغضوه صده، ذلك لأنه مرتبط بالوجود الإنساني على هذا الكوكب منذ بدء التاريخ، ولا يمكن أن تزيد محاولة وضع جدار فاصل بين الإنسان والفن عن كونها محاولة لتجريده من إنسانيته وتجفيف روحه ودفعه للمناهج السوداء والظلامية.. هذا ما يدركه العقلاء الذين يؤمنون بأن دعم صناعة الأفلام السينمائية ودعم الفنون بشكل عام يوفر علاجا بديلا وأقل كلفة لمحاربة الكراهية والمناهج الضالة والفكر الأسود الذي ينشأ ويتكاثر كالبكتيريا في أي مكان تختفي فيه مباهج الحياة.
مهرجان أفلام السعودية ليس جديدا، فهذه دورته الثالثة التي تمثل التجربة الأكثر نضجا مقارنة بسابقتيها، ويستحق القائمون عليه في جمعية الثقافة والفنون كل الشكر ابتداء من رئيسها الدكتور سلطان البازعي ومرورا بمدير فرعها في الدمام «أحمد الملا» وانتهاء بأصغر العاملين معهم، ذلك لأنهم استطاعوا أن يصلوا بنا إلى هذا الإنجاز رغم محدودية الإمكانات المتوفرة لهم.. لقد صنعوا بجهودهم محفلا إبداعيا جديدا يمكن أن يتحول بمزيد من الدعم إلى مصدر مهم لدفع الحركة السياحية والاقتصادية في البلاد، وليت هيئة السياحة تلقي بكامل ثقلها لدعم هذا المهرجان الطموح الذي ليس من الصعب أن يتحول في يوم من الأيام إلى قبلة للسينمائيين ومحبي الفن السابع في العالم العربي، المطلوب فقط أن نفتح لمبدعينا النوافذ ونرى.