(1)
سبق لي أن كتبت في «وصايا» هذه الفقرة:
تخيّل: أن فتاة من الأسكيمو تحلم بالزواج من ثري عربي.
أو أن شاباً أعرج يحلم بالاحتراف في فريق كرة القدم بريال مدريد.
أو أنا أحلم بالفوز ببطولة ويمبلدون للتنس!
الأحلام رائعة، وأروع ما فيها أن نعمل على تحقيقها، ويكون هنالك طريق واضح للوصول إليها... ولكن، بعض الأحلام غبية وشبه مستحيلة.. إيّاك أن تقع في شراكها. هذه ليست أحلاماً... هذه مسكنات تجعلنا نهرب من بؤس الواقع وننساه قليلاً، ولا نفكر أو نعمل - بجديّة - لتغييره إلى الأفضل.
(2)
قلتُ لهم: ما هي أحلامكم؟ ما هي الغاية التي يتمنّى كلٌّ منكم الوصول إليها؟
قال الأول: الحضور المبهر والشهرة.
قال الثاني: الثراء.
قال الثالث: بيت يضمّني مع أولادي.
قال رابع: النفوذ والسلطة.
قلتُ: لا أسألكم عن الوسائل.. أسألكم عن الغاية؟
ارتبكت الإجابات.. وعادت لتشرح نفسها بشكل مختلف.
قلت: الغاية واحدة.. السعادة!
كل هذه الأحلام/ الوسائل المُربكة هي طريقكم -كما تظنّون- إلى الغاية النهائية: السعادة.
الذي (يشقى) بجمع المال، يضيّع السعادة بحثًا عن السعادة!
الذي يحلم بالبيت، هو يحلم بالاستقرار، الذي سيجلب له الطمأنينة، التي بدورها ستجلب السعادة لقلبه وروحه.
الذي يحلم بالشهرة، ويمضي عمره وهو يشقى بمطاردة أضوائها الباهرة، يظنُّ أن الشهرة ستفتح له كل الأبواب؛ ليدخل إلى قصر السعادة.
اسأل أيَّ حالم عن حلمه (شهرة، ثراء، سلطة، منصب، جمال، قوة، حضور) ستكتشف أنه يُحدّثك عن الوسائل التي -يظنُّ- أنّها ستوصله إلى الغاية الكبرى/ مدينة السعادة.
(3)
الأمر نسبي:
في اللحظة التي أجلس فيها في الصف الأول في ذلك الحفل الفخم، وتحت الأضواء الباهرة، تجدني أتململ على الكرسي، وأحلم لو أنني لحظتها في مدينتي الشمالية النائية في رفحاء لأحظى بلحظة فاخرة برفقة أقاربي ورفاق طفولتي، وأضحك معهم ضحكة حقيقية صافية نابعة من نبع القلب. في نفس اللحظة هناك -في مدينتي النائية الصغيرة- مَن يحلم بالجلوس مكاني على نفس الكرسي الممل!
أنا وهو نظن أن السعادة في الجهة المقابلة.
الأمر نسبي:
هذا في قصره الفخم يشعر بالشقاء؛ لأن زوجته أنجبت طفلاً مشوّهًا..
وهذه الطفلة في خيمتها المهترئة -فوق أرض متجمدة، وتحت سماء تُمطر ثلجًا- تكاد تطير من الفرح؛ لأنها حصلت من وكالة الإغاثة على: بطانيّة!
تختلف التفاصيل، والوسائل، والطرق التي نسلكها، ولكننا جميعًا نريد أن نصل إليها: السعادة.. حتى هذا الإرهابي الذي قام بتفجير نفسه يظنُّ أنه ذاهب إليها عبر أقصر الطرق.
لم يستطع أن يواجه الحياة فقرّر مواجهة الموت!
يظنُّ أنه يغادر لحظة الشقاء لينتقل إلى السعادة الأبدية.
جميعنا نبحث عن السعادة، ونظنها في البعيد البعيد من الأشياء، ولو تلفّتنا حولنا لوجدناها معنا وبيننا في أشياء بسيطة جدًّا.
مشكلتنا أننا لا ننتبه، ولا نحتفي بالأشياء التي بين أيدينا..
لأننا مشغولون بالأشياء التي بين أيدي الآخرين!
(4)
وأخيراً:
لا تسخر من أحلام الناس.. مهما كانت غريبة.
ولا تتنازل عن أحلامك.. مهما كانت صعبة.
لا طعم للحياة دون أحلام.