حوار: سعيد الباحص (الدمام)تصوير: عبدالرزاق العوض

يواصل الشيخ ابو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري حديثه الشفاف مع «عكاظ» موضحا فيه ان مشايخ الامة اكثرهم مشغول بتعليم فروع الشريعة من الفقه واصول العقيدة وهم منعزلون عن الجانب الفكري.
طالب ابن عقيل بالتخلص من الامعية والانوثة الفكرية موضحا انه يأبى ان يكون الادب الحداثي راحة تضليلة في اشياء غير ادبية مشيرا الى ان التأسي بالآداب الاخرى ليس حداثة لان منها ماهو حداثي ومنها ماهو تراثي اممي ومنها تراث عالمي.
متابعة دعاة التضليل
ذكرت في اكثر من موضوع كتبته في سنوات ماضية انك صرفت نشاطك مكرها غير مختار لمتابعة دعاة التضليل, هل حققت بغيتك في صد وتفنيد دعواهم ام لم تستطع مجابهتهم؟
- كان في السابق يهاجم الدين والجذور فئتان:
اولاهما: فئة علمانية, او من اهل الملل الاخرى وكان صوتهم مقهورا على ايدي مشايخ متخصصين كمشايخ الازهر والشيخ مصطفى صبري, او مثقفين ثقافة عامة كالاستاذ محمد فريد وجدي وعباس محمود العقاد وهو ذو فكر اسلامي وان كان الالتزام عنده قليلا, فهو يقيم ندوته في وقت صلاتي الجمعة والعصر, وفيه يقول اسماعيل مظهر ينبزه بروز اليوسف:
فيم التكبريا صعلوك غانية
لو اطبقت فخذيها مت من سغب
وهو مثقف متسع الثقافة وليس عالما ولهذا خزي في التحرش بأهل الاختصاص كانستاس الكرملي لغة وامين الخولي بلاغة.. واسلوبه غير جذاب واستدلاله استدلال ادباء لا استدلال علماء فلا يتبصر للمغالطة كرده على ديفيد هيوم في المعجزة.. وثقافته نقل عاجل من التراث العربي ومن التراث الانجليزي الذي يتقن قراءته وطه حسين على بعض ضلاله ترتاح له النفس. والفئة الثانية: اناس مضلل بهم من ابناء جلدتنا او ذوو اجتهاد خاطئ من غير تخصص, وفيهم اناس ذوو خير كثير ارجو الله تعالى ان يكون ختم لهم بخير كالدكتور طه حسين, واعظم شطحاته التي تمس العقيدة الطبعة الاولى من الشعر الجاهلي, وكان ذلك بتأشير شيخ له من غير ملتنا وهو مرجليوث ولعله تراجع عن ذلك، فطبعات الشعر الجاهلي الأخيرة خلت من تلك الهفوات، ومن كتبه التي تمس الجذور كتابه (مستقبل الثقافة في مصر)، اذ ربط تاريخ الأمة بالتاريخ الفرعوني الذي لا يوجد مكتوباً، وبثقافة البحر الأبيض، حيث اوجب ادراج مأثورنا في حضارة البحر الأبيض.. ولا اعلم خاتمته، وانما هي عند الله، ولكنني ارجو له حسن الخاتمة، لأنه من حفظة كتاب الله في صغره، وهو الذي حبب الى الناشئة مأثورهم ولا سيما الشعر التراثي، وهو صادق مع نفسه خلقاً وفكراً سواء أكان فكره حقاً ام باطلاً، وقد دحضت هفواته بعلم ذوي التخصص منذ علماء الأزهر الى الدكتور ناصر الدين الأسد، وهو مأسور بشطحات ابي العلاء المعري.. أما ردود مصطفى صادق الرافعي رحمه الله فهي عن قلب مؤمن، الا ان اسلوبه غير جذاب، واطالته في الاسلوب والتشنيع اقل من تحرير البرهان.. وهكذا الشيخ محمود محمد شاكر رحمه الله فإنه ممل جداً بالإطالة والتكرار، فلا يحصل القارئ على مراده بسرعة، والمطلوب تيسير العلم وتبسيطه ومتانة جانب الاقناع فيه.
ثم ظهرت كوكبة من ذوي الملل الأخرى ومن الطائفيين والشعوبيين من جماعة مواقف وحوار وشعر كيوسف الخال وانسي الحاج وتوفيق صايغ وخالدة سعيد، ولكن اشرسهم زوج خالدة، وهو ادونيس، فقد كان منظراً طائفياً شعوبياً جلداً: واسترحل الأدب الحديث لهدم كل الجذور، وتناول بفكره التضليلي بالتقاطه ما في زوايا تراثنا من عمل الفساق والملحدين كابن الراوندي وابن شبل البغدادي وابي العلاء المعري الباطني الذي أثر في طه حسين أيما تأثير وأبي نواس ورفاقه.. ومعظم هذه الهفوات في عتمات تراثنا يسقطها التوثيق التاريخي او يسقط علنيتها: فجعلها ظاهرة عامة في مأثورنا، وهذا عمل الف ليلة وليلة تماماً تماماً، فكأن تاريخنا لهو وطرب وخمر مع الاسقاط للجماهير التي وسع الله بها الرقعة، وأحيا بها قلوب العامة والسلاطين، وعصم الله بهم فصل الدين عن الدولة والحياة العامة، فهكذا كان صنيعهم اسقاطاً للمتواتر المألوف من الايجابيات، وتضخيماً لما في الزوايا لكل عير نهاق، مع ان التوثيق التاريخي يسقط اكثره.. وقد افلحوا خيب الله سعيهم في سوق شباب الامة العربية الى العقائد الفاسدة، والتعلق بما هو مضيعة للعمر من فضول ثقافية ينبهرون بها، ولو حكموا قيم الوجود الثلاث لكانوا في مأمن أي مأمن، وكان عملهم وصلاً للحاضر بالماضي باستبقاء ميزة الماضي واحتضان ميزة الحاضر، فلما خفت صوت هؤلاء نبتت نابتة في شمال افريقيا من امتنا العربية ترعاها جمعية ماسونية في فرنسا يرأسها ابن سلامة، ولم يكن هدفهم في هذه المرحلة استرحال الأدب الحديث، وانما تفرغ منهم متفرغون لايجابيات الاسلام من غير تخصص وتعمد للتضليل كمحمد اركون، وتفرغ آخرون للعقل العربي والتراث العربي بتسطيح يشمئز منه رجل الاختصاص كمحمد عابد الجابري، فعلى سبيل المثال كتبه عن ابن رشد وكلامه عن الخلافة بغض النظر عمن شحنه بالباطل يصدم النفس لعدم وعيه بفلسفة ابن رشد حقيقة، وتفرغ متفرغون للفلسفة بتفلسف جديد تضليلي كعبدالرحمن طه، وتفرغ آخرون لقضايا التاريخ العربي والفلسفي بنفس الاسلوب، وتكثر بعضهم بالخوض في كل فن عن غير علم ولا صدق مع النفس كابراهيم غليون وعلي حرب.. وأما الصادق النيهوم فأمة ضلالية وحده، واجزم بأنه موجه كأركون.. وتلك الجمعية التي اشرت اليها بفرنسا اسمها (جمعية التثقيف الجنوبي) يعنون ما وراء البحر المتوسط.. واسلوب هؤلاء غير ممتع، وترفضه جمالية الاداء العربي، ويغلب فيه اللحن وسياق الجمل المترجمة الباردة التي تحتاج الى صقل عربي.. وللاسف فإن بعض شبابنا مسارعون الى تقليد الرموز الملمعة، وكان الواجب التخلق بحرية الفكر عن علم تخصصي في الموضوع، ثم يكون الالتزام لمسؤولية الفكر الكريمة اذا وجد اليقين او الرجحان، والتوقف عن القول بغير علم اذا لم يوجد المرجح، فهذه هي الرجولة الفكرية، وهي التي تجعلنا قادة مع نشداننا الحكمة اين كانت.. وهؤلاء هم الذين على الساحة اليوم.
عزلة مشايخنا
أما مشايخ أمتنا العربية الاسلامية فأكثرهم مشغول بتعليم فروع الشريعة من الفقه واصول العقيدة واصول الفقه، وهم منعزلون من الجانب الفكري، مع ان العلم ان كل ما استجد من كيد وشبهة يحتاج الى تناول فكري وان كثرت الصفحات.. وانني لعلى وعي بجوانب التضليل من تسويغ لباطل او استئناس القارئ بشيء من الحق البديهي.. لكنني في فضلة من العمر مع كثرة المشاغل، وكثرة الرعية، وقلة النشاط، وانما اعمل حسب الطاقة والقدرة، وقد صدر لي في هذا المجال الجزء الاول من سلسلة الفكر الاسلامي بعنوان (معنى ان الفكر اسلامي) واصبح التأليف الجديد اسهل عليّ مما حققته في اضابير كثيرة مبعثرة تقرب من اربعمائة اضبارة -وهي حصيلة عمري- لأن الجمع بين الموضوعات في هذه الاضابير وترتيبها عسير عليّ جداً.
تعريف الحداثة
هل لديك تعريف منهجي للحداثة، وهل الهدير الخطابي الذي نسمعه اليوم حقق صوته ومراده؟
- الحداثة قسمان: حداثة فكرية، وحداثة ادبية.. والحداثة هي آخر ما استجد من الفكر ومذاهب الأدب، والجمود على التراث او الحداثة ليسا مطلبين للمفكر، لأن قيم الخير والجمال والحق لا تتبدل بالزمان، ففي الحيوان للجاحظ وهو من تراثنا ما يبصق عليه علم الاحياء الحديث التجريبي الملامس المشهود.. وفي الحداثة من جعل نشأة الانسان قرداً، او كونه في بداية حياته كالحيوان لا يحسن تفكيراً ولا عملاً ما يبصق عليه البرهان العلمي من بداية البشر بنبي كريم علمه ربه الاسماء كلها، واهبطه الى الارض معلماً من الله امتحاناً له ولذريته.. وهكذا نظريات هيجل وغيره كصاحب السوبرمان (الانسان الكامل) وعامة الماركسيين من كون التاريخ في تصاعد، فهذا فكر حديث يأباه الواقع العملي للتاريخ البشري، فالهمجية في أمم في أنحاء الارض في عصرنا الحاضر كما يوجد العلم والوعي في هذا العصر، والهمجية في التاريخ القديم يصحبها العلم والوعي من فئات اخرى كالأنبياء والرسل عليهم السلام وورثتهم من رجال الفكر، فصح بذلك ان التاريخ في تأرجح ومراوحة، وليس في صعود كما يزعمون، وانما مطلب المفكر (وأزيد بالتخصيص المفكر المسلم) طلب الخير والحق والجمال حيثما كان ذلك في أي عصر ومصر.. وأما الحداثة الأدبية فإن تعلقت بمضمون الأدب فمرجع ذلك لقيمة الخير والحق وقسم من معيار الجمال وهو الكمال والعظمة.. وان كان موضوع الادب الحديث يتعلق بالشكل وطريقة الاداء فالمحتكم اليه قيم الجمال، والمرجع الى احساس الطبقة الراقية في فكرها، لأن معيار الجمال نسبي فئوي، فننسف المجمل في التراث والحداثة معاً، ونأخذ بالميزة فيهما، ونثري ادبنا التراثي بالاستمداد من جماليات الادب الحديث.
الإمعية والأنوثة
ومع هذا ينبغي التخلص من الإمعية والأنوثة الفكرية فنأبى ان يكون الادب الحداثي راحة تضليلية في اشياء غير ادبية.. وانت تعلم ان من مقاييس الجمال الابتكار وطرد السأم، وفي الوقت نفسه فمن مقاييس الجمال الحنين الى الجمال التاريخي بعد السأم من جماليات الحداثة، فهذا ايضاً طرد سأم.. ومن مقاييس الجمال التوظيف الواعي، فليس من المقبول الاسلوب الخطابي الهادر في موضوع غزلي، وللنكتة اضرب المثال من الطرب المعاصر، فعبدالحليم حافظ يغني (لا تكذبي) الغزلية الرومانسية كأنه يلقي أغنية حرب.. وفي التجمع العربي لهمومهم ومصائبهم لا تحركهم القطعة الادبية الهامسة، بل لابد من الحماس والهدير والخطابية بشرطها البلاغي الفلسفي.. ولا معنى للتساؤل لتحقيق الهدير الخطابي هدفه في هذا اليوم، فقد كان منذ سقوط السلطان عبدالحميد إلى وعود عبدالناصر بأمة عربية (ولم يذكر اسلامية) من الخليج الى المحيط، وما لنا من سمعة طافحة غير ذات الجذور، اذ لم توجد القطبية العالمية.. كان هذا الوقت ذا مجال للحماس والهدير.. ولكن منذ نكسة حزيران عام 1967م الى هذا اليوم المخزي في واقع العرب والمسلمين فالستر اولى من الهدير، او التعويض عن الهموم بسلوك الرومانسيين، الا ان كان هديرنا تظلماً، وهذا كدعاء العجائز.
محاكاة الثقافات الاخرى
هل ترى ان التأسي بالآداب الاخرى يقود الى ساحة «الحداثة» الجاهلة، وهل محاكاة الثقافات الاخرى تنذر باكتساح فوضى «الحداثة» لعالمنا العربي الأصيل؟
- ليس التأسي بالاداب الاخرى حداثة، لان الآداب الاخرى منها حداثي، ومنها تراثي أممي، ومنها تراث عالمي، وقد تكفل بتفصيل ذلك المؤلفات في الأدب المقارن.. ولست أصف الحداثة الادبية بالجاهلة على الاطلاق، فقد مضى تفصيلي للرؤية حول ذلك.. ثم يا أخي ليست المحاكاة، وليس القضاء على الحداثة مطلبين فكريين، بل المطلب الحضانة الحميمة لما تمليه قيم الوجود الثلاث التي اسلفتها.
ثقافة الصورة
اعتماد المجتمع اليوم على ثقافة (الصورة) هل قتلت لديه روح الابداع في شتى المجالات، ام انها مساندة لتكوين الثقافة؟
- الدهماء والغوغائية واشبه العربجيين ومن ليس عندهم العشق للكتاب في الجملة، ومن لم يكن خلقهم خلق القرآن.. كل هؤلاء اصحاب الجنز الرأس، والصفير، والرقص في المشي، والضرب بالاصبع: من الخير اتقاء لشرهم ان تكون ثقافتهم ثقافة صورة، وان يعشقوا في المطرب المثير للغثيان كل خنفسة وخنفساء وعلبة ليل.. وهناك مطرب مجازاً اهبل يعيش على الساحل جمهوره اعظم من جمهور ام كلثوم وليس عنده طرب، وانما عنده حركات بهلوانية، فلتكن هذه هي ثقافتهم عوضهم الله خيراً.. اما الادباء حقيقة، والعلماء حقيقة، وعشاق الجمال حقيقة، وذو الخلق المتين: فالذي يستميلهم صعب جداً، ولا يضير ان يكون شيء من ثقافتهم من المذياع والمحطات الفضائية ووسائل الاعلام ووسائل البث الظاهرة والخفية، فهذه ادوات استجدت وهي ضرورة للعطاء حقه وباطله.. ولست والله يا أخي اتصور شيئاً اسمه (ثقافة الصورة) وانما هنالك الطرب العتيد يقوم عليه ثلاث مواهب: موهبة الشاعر، وموهبة المطرب المؤدي، وفوق ذلك موهبة الملحن.. ويتم العمل في شهور حسب تجارب كثيرة (بروفات) وخير هؤلاء الست ام كلثوم بنت ابراهيم، لادبها الرفيع، وذوقها المرهف، واحساسها الجمالي في سماع الشعر، وتحشم السميعة مما حرم الله تعاطيه الا من جاء من بيته ثملاً مندساً.. ولولا عزوفي عن هذه المنابع لاطلت الحديث.. وهناك غثيان صور عاهرة سامجة وكلمات غناء شعبية تافهة وغناء كصفير البط او صوت الوز.. يطبخ اللحن والشعر والاداء في ايام، وربما كان الشاعر او المغني هو الملحن!!
صراعات المفكرين
الصراعات التي تحدث بين حين وآخر بين المفكرين العرب في شتى المجالات الاعلامية هل خلقت فجوة فكرية وتعصباً اجتماعياً؟
- الخلاف بين اهل الملل والنحل، والاختلاف بين اهل النحلة الواحدة سنة كونية اخبر الله عنها شرعاً.. ولكن الاختلاف الذي يثب بالارواح اختلاف المؤهلين علماً وفكراً، ويزكيهم عمل صالح، وكلهم يريد الحق، فقد يتفقون وقد لا يتفقون اذا لم يحصل انقطاع يجر الى العناد والمكابرة، فكلهم مصيب في اجتهاده له اجر ومعذرة، واما اصابة المراد وهي غير صواب الاجتهاد فلا تكون الا لفئة واحدة، ولهذا يسأل المسلم ربه هداية البيان والايضاح بقوله: رب اهدني لما اختلف فيه من الحق انك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم.. ثم يسأل ربه اعانة الهداية والتسديد بقوله: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم.. وبقوله: ربي ارني الحق حقاً وارزقني اتباعه، وارني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه.. وهناك اختلاف بين كبار الادباء والمفكرين كطه حسين، والعقاد، والرافعي، وامين الخولي، وانستاس الكرملي، وعلي الجارم.. الخ.. الخ، فهؤلاء تطرب حتى الثمالة باسلوبهم الجميل، وسخريتهم اللاذعة، ومعارفهم المنثالة، ولكنهم لا يحركون شيئاً من شجون الآخرة.