فتحي عطوة (القاهرة)

في المخيلة الشعبية لدى الكثير من الشعوب خرافات واساطير عن كنوز محروسة بـ”الجان” مدفونة في مقابر وكهوف ومغارات قديمة طمرتها الرمال منذ آلاف السنين. ويرى مروجو مثل هذه الخرافات ان الكنوز الذهبية لا يمكن فك طلاسمها الا بواسطة طلاسم سحرية حتى وان اقتضى الامر تقديم قرابين بشرية حسب اعتقادهم كما حدث في قرية مصرية قبل سنتين عندما نحر شاب معتوه 10 اشخاص من ثلاث عائلات طمعاً في كنز مدفون في تلك القرية وثمة خرافات اخرى عن امكانية استخراج الكنوز باستخدام الزئبق الاحمر فما هي قصص وحكايات هذه الاساطير؟
في أحد أيام شهر يناير من عام 2006 صحا سكان عزبة “ شمس الدين “ الصغيرة التي لايزيد عدد سكانها عن خمسة آلاف نسمة والتابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا على جريمة بشعة هزت القرية الهادئة بل هزت مصر كلها حينذاك ، إذ قام أحد المختلين عقليا بالتسلل إلى ثلاثة بيوت متجاورة في القرية ، وقتل عشرة أشخاص من ثلاث عائلات بصورة وحشية، فبقر بطونهم وقطع أطرافهم ونزع أعضاءهم، وكان الجاني محمد علي عبداللطيف (27سنة) وهو لم يحصل على الشهادة الإعدادية وتاريخه حافل بالإحباط والفشل والجرائم أيضاً، لم يقتنع الناس انه ارتكب الجريمة لمجرد أنه مختل عقلياً، رغم التقارير الطبية التي صدرت عن ثلاثة أطباء كانوا يعالجونه وأكدت انه يعاني مرضاً نفسياً .
كان الغريب في هذه القضية هو أن الجاني في اعترافاته تحدث عن هاتف جاءه في المنام أيقظه وأمره بالخروج من منزله ودخول المنازل الثلاثة للضحايا وقتلهم ، ووضع الحادث السلطات المصرية حينذاك أمام لغز كبير . لماذا يقوم هذا المختل بمثل هذا العمل الشنيع ؟
وجاءت عدة تفسيرات للحادث وقتئذ : الأول من الشرطة ، وهو أن الجاني مصاب بمرض نفسي، ويعاني من شذوذ في الطباع ، أما الناس فقد كان لهم رأي آخر فقد كانوا يتحدثون عن أن القاتل قتل الضحايا ومثل بهم ليعطي أعضاء القتلى “ لذلك الجني “ الذي زار القاتل وأمره بالحصول على هذه الأعضاء مقابل أن يدله على الكنز الموجود بالقرية .
كنوز مدفونة
فحسب هذه الخرافات التي عشعشت في عقول ساكني بعض المناطق وخاصة المناطق الأثرية في الصعيد التي يتواجد بها آثار فرعونية ، فإن قبور الفراعنة تحوي كنوزاً وأن في كل قبر خبيئة ذهبية هي عبارة عن ممتلكات الملك القديم أخذت معه في تابوته وان الوصول إليها يحتاج إلى معجزات أو تحقيق ما يأمر به جني أو عفريت، و هذا الجني أو ذلك العفريت يزور أحد الأشخاص ويحدد له مكان الكنز ويطلب منه طلبا معينا أو ثمنا ما ، قد يكون هذا الثمن عبارة عن نوع معين من البخور،أو زئبق أحمر ، أو عضو بشري ، وهذا ماحدث لعبد اللطيف حيث اعتقد أهل القرية أن هذا “ الجني “ زاره ، وأمره بقتل الضحايا العشرة والتمثيل بجثثهم واستئصال أعضاء بعينها وهي الثمن الذي حدده الجن كي يفرج عن الكنز ويحقق الثراء لعبد اللطيف.
دجال بيلة
في نفس التوقيت وحبكا للمشهد الذي يروج له الناس ، انتشرت شائعة عن القبض على دجال مغربي يقوم بأعمال شعوذة للبحث عن الكنوز، في قرية “ بيلة “ المجاورة لقرية شمس الدين، تضمنت الشائعة ان الدجال يستخدم الأعضاء البشرية في أعمال السحر للكشف عن الكنوز المدفونة.
لم تكن هذه الحادثة هي الأخيرة في مسلسل الخرافات الذي غزا العقول عن الكنوز المصرية وأساليب الحصول عليها عن طريق الجن والعفاريت .
حرائق غامضة
فبعد عام تقريبا من حادث عزبة شمس الدين ، اشتعلت الحرائق الغامضة في يناير الماضي في منازل قرويين بصعيد مصر بعد نحو عامين من اختفاء الظاهرة المثيرة للجدل.. حيث اندلعت الحرائق المماثلة مجددا في منزل حمدي فتح الله من قرية الزينية بمدينة الأقصر، حيث اشتعلت النيران بمنزله ثلاث مرات متتالية، والتهمت اثاث الزفاف الخاص بابنته وأصر صاحب المنزل المنكوب على اتهام “ الجان” بإشعال النيران.
كما شبت نيران غامضة في 14 منزلا بقريتي العوامر وتيجا بمركز أبوتشت شمال محافظة قنا . أهالي قريتي العوامر وتيجا قالوا إنهم شاهدوا كائنات نارية طائرة في سماء القريتين وشاهدوا كرات ملتهبة تسقط فوق المنازل التي اشتعلت فيها النيران.
ومع ظهور الحرائق الغامضة ظهرت معها ذات التكهنات عن اسباب وقوعها.. ويتهم القرويون “لعنة الفراعنة” بذلك العمل ولجأ البعض إلى التفسيرات الغيبية للظاهرة ، ومن بين تلك التفسيرات الغيبية التي ترددت انه في حال حدوث الحرائق في مناطق آهلة بالسكان فإن حدوثها مرتبط بثلاثة أسباب : الأول أن جنيا تعرض لأذى مثل أن ألقي عليه حجر او ماء غير طاهر أو ان احدا بتلك القرى حاول تحضير الجان ولم يفلح في ذلك أو أن جنيا يعشق احدى بنات تلك القرى!! أو قيام البعض بالسطو على كنز فرعوني مرصود أي عليه حارس مسحور، وأن هذا الحارس- الذي يطلق عليه الرصد- كان غائبا عن كنزه ثم عاد واكتشف السطو فراح يطارد السارقين بهذه الطريقة، وأن هجوم الطيور النارية لن يتوقف إلا بإعادة المسروقات لمكانها بالكنز الفرعوني، مؤكدين أن هذه الطيور يمكن أن تذهب إلى القاهرة أو أسوان وراء المسروقات.
الرصد الفرعوني
وكان ما يسمي بالرصد الفرعوني هو أحدث متهم في قضية الحرائق!! ويعتقد القرويون في العديد من قرى صعيد مصر بوجود لعنة الفراعنة، قائلين ان الكنوز الفرعونية المدفونة في المناطق الأثرية القديمة في جنوب مصر، يوجد عليها حراس من الجان في هيئة طيور تلقي بلهب من النار كعقاب لمن يحاول السطو على تلك الكنوز أو التهاون في حمايتها من اللصوص.

أصل الحكاية
فحوى الخرافة التي تتكرر رغم اختلاف المكان هو أن كنوز الفراعنة أو “المساخيط” يوجد على كل منها “ الرصد الجنى “ ، أو حارس “ مقبرة المساخيط “ كما كانوا يطلقون عليها قديما أو الكنوز والذي يظهر بعضها منقوشا على جدران المقابر (حجرة الدفن ) على شكل ديك – خروف –إنسان برأس ثعبان –أنثى فرس النهر – خفافيش –نحل .
وتقول الأسطورة أن أحد باشاوات القرن الماضي كان يخرج مرة في الشهر ليلا ومعه خادمه الصغير وكمية من البخور المغربي ليلقيه على باب المقبرة ليعمى الرصد حارس اللقيه فتنشق الأرض ويخرج منها مايريده إلا أن الصبي أخذ جزءا من هذا البخور وأخبر والدته وخرجا سويا إلى المكان نفسه وفعل كما يفعل الباشا فانشقت الأرض ولطمع الأم أخذ الصبي يخرج لها وتحمل حتى انتهى مفعول البخور فأغلق باب المقبرة على الصبي ومن يومها يسمع كل من يقترب إلى هذا المكان صراخ الصبي وهو يستغيث .
وبدأت الحكاية بمحاولات العثور على الكنوز المدفونة في الآثار المصرية القديمة ، وقد لاحظ الطبيب العالم عبد اللطيف البغدادي الذي زار مصر سنة 595 هـ أن كثيرا من المشعوذين ادعوا معرفة الكتابة الفرعونية وتحايلوا بذلك على أرباب الأموال ليعطوهم الإمكانات ليحفروا بها عن الكنوز المدفونة في المعابد الفرعونية وأن ذلك صار هوسا أسفر عن تخريب الآثار القديمة . كان ذلك في أوائل العصر الأيوبي، ثم جاء العصر المملوكي وقد ساد التصوف وتعاظم الاعتقاد الساذج في الأولياء وعلمهم بالغيب وكشف المستور مما أدى ببعض الصوفية لادعاء معرفة الكنوز أو المطالب والكشف عنها ، ووجدوا من يصدقهم من أغلبية الناس وقد لفتت هذه الظاهرة المؤرخ ابن خلدون فقال في المقدمة إن كثيرا من صغار العقول يحرصون على استخراج الأموال من تحت الأرض ويبتغون الكسب من ذلك وأنهم يعتقدون أن أموال الأمم السابقة مخزنة كلها تحت الأرض ومختوم عليها بطلاسم سحرية لا يفكها إلا من كان مؤهلا لذلك، ويقول ابن خلدون عن أولئك المشعوذين: إنهم وجدوا لهم سوقا رائجة فى مصر حيث قبور الفراعنة مظنة لوجود توابيت الذهب لذلك عنى أهل مصر بالبحث عن المطالب .
وذكرت المصادر التاريخية إدمان الكثيرين من المشاهير بالبحث عن المطالب، وكان منهم السلطان الغوري حتى أنه عندما ذهب للتنزه عند الأهرام أشاعوا أنه ذهب للبحث عن مطلب ، وروى الشعراني في كتابه لطائف المنن أن بعضهم خدع السلطان الغوري وجاء به إلى آثار الفراعنة بعين شمس ليعثر له على مطلب هناك . وفى هذا العصر بالذات في القرن العاشر الهجري كثر المحتالون من طالبي”المطالب وكان لهم شأن عظيم مما آثار عليهم الشعراني شيخ الصوفية في عصره فاحتج عليهم قائلا “ إن الفقراء في غنية عن عمل الكيمياء وفتح المطالب” والسبب في احتجاج الشعراني عليهم أنهم وقد تعاظم نفوذهم تسلطوا على الناس وأكلوا أموالهم وانتهكوا أعراضهم بحجة العثور على المطالب .
وفي العصر العثماني زادت الخرافات حول الكنوز أو المطالب أو الكيمياء وكانت تعنى تحويل المعادن إلى ذهب بطريقة السحر أو ادعاء الكرامات ، ثم صحت مصر على ضجيج الحملة الفرنسية وبدأت تفيق من ظلمات الخرافات وأسس محمد على مصر الحديثة مستلهما النمط الأوروبي، ثم وضعت القوانين المصرية متأثرة بنفس المصدر خصوصا التشريع الفرنسي الذي أرساه نابليون من قبل ، وطبقا للقوانين المصرية فإن مصير ذلك الذي يخدع الناس ويستولى على أموالهم بحثا عن مطلب هو السجن متهما بالدجل ، وكثيرا مايقوم البوليس بالقبض على كثير من الدجالين والنصابين مدعيي الأعمال السحرية . ولاتزال البيئات الشعبية والريفية تحتفظ لهم ببعض التقدير - برغم أنف القانون ـ بدليل تمتعهم بلقب المشيخة والتفاف الناس حولهم واعتقادهم فيهم.
المناطق الاثرية والخرافات
الأقصر جنوب مصر كانت وما تزال مغرية لكثير من السحرة والدجالين لنسج الأساطير حول القدرة على قتل الرصد واستخراج الكنوز ، والتي لا يعرف مكانها إلا هؤلاء السحرة وفي البر الغربي للأقصر ( مدينة الأموات منبع الأساطير ) يتمسك الناس ببيوتهم فوق المقابر الأثرية أملا في استخراج الكنوز وقد أعتاد الناس على إحضار الساحر المغربي أو السوداني أومن له القدرة على قتل الرصد (الجني حارس الكنوز ) مهما كلفهم الأمر أو تلاعب بأذهانهم هذا الساحر فيقوم بجس الأرض ويحدد مكان المقبرة ويحدد لهم كذلك نوع الرصد وقوته وطلباته التي تكون في أغلب الأحيان صعبه كدم طفله أو طفل لا يتجاوز الثانية عشرة من العمر مما دفع بالكثيرين لخطف الأطفال ويقال في هذا أن الناس قد اعتادوا كل عامين أو ثلاثة على (هوجة خطف الأطفال ) فيشاع فى البلاد أن الرصد يطلب دم طفل وقد حدث مؤخرا منذ حوالى عدة أشهر أن وجد طفل مذبوحا داخل حفرة بالإضافة إلى خطف طفلين توأم وكذلك من طلبات الرصد نوعا من البخور المغربى والذى يزيد ثمنه أحيانا عن ألف جنيه
وجميع قرى مركز بني مزار والبهنسا ومغاغة تحتاج الى إعادة فكر جديد لأنها تعاني منذ وقت طويل انتشار شائعات الدجل والشعوذة عن وجود كنوز أثرية أسفل المنازل وفي الصحراء المجاورة، خصوصاً وأن منطقة البهنسا بها الكثير من الآثار وكل يوم يحضر العشرات من الدجالين والمشعوذين إلى القرى والنجوع ومعهم البخور.. وأحياناً يأتي معهم بعض الأثرياء من خارج محافظة المنيا وفي تفكيرهم الحصول على الكنوز الذهبية التي تزيدهم ثراء وأغلب أهل القرى في هذه المنطقة صدقوا الدجالين والمشعوذين الذين اكدوا ان قارون كان يمتلك عدداً من المخازن والقصور في هذه المنطقة التي تعد امتدادا طبيعياً لمحافظة الفيوم .
خرافة الزئبق الأحمر
ويتحدث عالم الآثار المصري زكي سعد عن الزئبق الاحمر انه سبق وان عثر على سائل لونه يميل الى الاحمر اسفل مومياء “امون” وهو قائد فرعوني قديم.
وقد تم التحفظ على هذا السائل في زجاجة.واضاف ان هذه الزجاجة هي السبب الرئيسي في انتشار ما يشاع عن الزئبق الاحمر وفيما اذا كان الزئبق الاحمر له علاقة بالآثار والموميات القديمة قال: الزئبق الاحمر عبارة عن بودرة معدنية حمراء اللون ذات اشعاع لا تزال تستخدم في عمليات ذات صلة بالانتظار النووي ومصدر تضيحة وتصديره او تهريبه لدول العالم هي دولة الاتحاد السوفيتي سابقاً روسيا حالياً.
واضاف ان ما يسمى بالزئبق الاحمر المصري لا وجود له ولم يثبت ان الفراعنة استخدمة هذه المادة في التحنيط.وتابع ان البعض يروج ان كهنة مصر القديمة كانوا يتسعينون بالجان لثقب “بلحة” ووضع مقدار من الزئبق الاحمر المصري المزعوم داخلها لكن الذين عملوا في حقل الحفريات والتنقيب الاثري لم يسجلوا ولا حالة واحدة لظهور شيء اسمه الزئبق الاحمر المصري.