طالب بن محفوظ (جدة)

بدأ الاختلاف في الرأي بين حديث «رائد» و«أحمد»، فالأول يرى حرمة السفر الى الخارج لما فيها من «تفسخ» والإغراءات، بينما يرى الثاني أن السائح طالما أنه يلتزم بالآداب والأخلاق والفضائل الإسلامية فإن هذا يلغي «الحرمة» التي أطلقها «رائد» لكل مسافر.
«سعيد» الذي يفضل السياحة الخارجية يؤكد انه لم يشاهد أياً من الإغراءات التي يتحدث عنها بعض السائحين، وعكسه «نديم» الذي يفضل السياحة الداخلية لأمانها الأخلاقي عليه وعلى أبنائه، لكن «خالد» يعترض على هذا في السياحة الخارجية تكلّفه أقل بكثير من السياحة الداخلية إذا أستثنى قيمة تذاكر الطيران، ومع ما قاله الجميع فإن «مراد» يشير بقوله إلى أن «السياحة صياعة».
وكالات السفر
مع أن المدخول أو العائد الأكبر من الربح لوكالات السفر والسياحة (تزيد على ألفي وكالة في المملكة) إلا أن البعض من مسؤوليها يفضلون للسائحين السياحة الداخلية وخاصة الشباب الذين ينبهرون بما يرونه من مغريات خارجية، حتى بعض الوكالات لاتسمح للصغار بالسفر للخارج من خلالها إلا مع ذويهم.
رجل الأعمال معتز فؤاد كيال الذي يرأس مجلس إدارة مجموعة إيلاف للسفر والسياحة يؤكد أن مجموعته لاتنظر للربح المالي العالي مقابل خسارة الوطن لأبنائه الصغار من السفريات التي تؤثر على أخلاقهم ودينهم مشيراً إلى أن العديد من وكالات السفر والسياحة في المملكة لاتغلّب الجانب الربحي على الأخلاقي، فهي تقدم برامج سياحية بأسعار قليلة وفائدة معرفية كبيرة بالبلد الذي يزوره السائح لكنه يوضح أن البعض وخاصة الشباب لايلتزمون بالبرنامج السياحي الذي تضعه الوكالة من زيارات للأماكن الأثرية أو الطبيعة في البلد الذي يسافر اليه بل هم يتعاقدون مع الوكالات للحصول على التخفيضات التي تمنحها الوكالات في تذاكر الطيران أو أسعار الفنادق موضحاً أن مجموعته التي تعد من كبريات وكالات السفر والسياحة لاتجد هذه الإشكالية بحكم أنها تتعامل مع طبقات كبيرة من السائحين الذين تعد لهم برامج سياحية تليق بمكانتهم.
السياحة والاقتصاد
وقبل بيان الرأي الشرعي لهذه السياحة فلابد من معرفة الإطار لـ «نظرية السياحة»، حيث يشير الباحث الاقتصادي والإداري الدكتور علي حسن ناقور إلى أن السياحة أصبحت تمثل أحد المصادر الرئيسية للتنمية الاقتصادية في العديد من الدول السياحية لما لها من نشاط بالغ الأهمية كصناعة حيوية وبخاصة في ظل ظاهرة التداول الاقتصادي والعلاقات الدولية المتشابكة ويوضح الدكتور ناقور أن ظهور متغيرات اقتصادية إقليمية وعالمية جديدة وما ارتبط بها من ارتفاع مستويات الدخول وتحسن مستويات المعيشة أصبحت السياحة تأخذ مفهوماً حديثاً يختلف عن المفهوم التقليدي لها وعما كانت عليه حتى الحرب العالمية الثانية التي كانت تقتصر السياحة فيها على الأغنياء والأرستقراطيين.
ويؤكد ناقور تعدد المفاهيم المتعلقة بالسياحة حسب وجهات النظر التي تدور حول هذا المفهوم وبالتحديد بعد أن طرأت على هذه الصناعة العديد من المتغيرات التي أدت إلى تغير مفهومها الشامل فيما يختص بالاتجاه والنمط المحدد لها، لكن الدكتور ناقور من خلال المفاهيم المتعددة للسياحة يستخلص تعريفاً شاملاً للسائح هو انه «الفرد الذي ينتقل من مكان إقامته الدائمة إلى منطقة خارج إقامته العادية أو مكان عمله بهدف تحقيق غرض معين من أغراض السياحة أو الزيارة المتعارف عليها ماعدا العمل وبشرط ألا تقل مدة الزيارة عن 24 ساعة ولاتزيد عن ثلاثة أشهر».
ويوضح ناقور أنه كما للسياحة فوائد اقتصادية فإن لها فوائد اجتماعية وثقافية وبيئية مشيراً إلى أن التطور العلمي والحضاري الحالي أظهر أنواعا وأنماطا جديدة للسياحة الحديثة مثل: سياحة المؤتمرات والمعارض والسياحة الاجتماعية بعد أن كانت مقتصرة على السياحة الدينية والعلاجية والثقافية موضحاً أن السياحة تنقسم الى نمطين: خارجية وداخلية.
وتحدث ناقور عن الضوابط الشرعية للسياحة في ضوء القواعد الفقهية التي وضعها الفقهاء أهمها: «المشروعية» وأن تكون في «الطيبات» وتوفر «القيم الأخلاقية» و«السلوكيات المهذبة» والالتزام بـ«فقه الأولويات الإسلامية» و«الإتقان والإحسان» و«المحافظة على الفرائض والواجبات المشروعة».
الرأي الشرعي
بينما يرى عضو هيئة كبار العلماء الشيخ صالح الفوزان عدم جواز السفر للسياحة لعدم حاجة المسلم إليه، فإن عميد كلية الشريعة بالكويت سابقا الدكتور عجيل النشمي يجيزه لكنه يحرمه إذا كان لغرض ارتكاب المعاصي.
وعدم إجازة الشيخ الفوزان للسفر الخارجي أنه لا يعود على المسافر بمصلحة تعادل أو ترجح على ما فيه من مضرة وخطر على الدين والعقيدة، ويرى الدكتور النشمي أن من يجد في نفسه ضعفاً لايجوز له أن يعرض نفسه للفتنة، كما لا يجوز أن يعرض أبناءه للفتنة فيتركهم وحدهم أو مع قرناء السوء بل لابد من أن يصاحبهم ويتعهدهم بالكلمة والتوجيه الإيماني ويبصرهم بالواقع الصحيح من الواقع المنحرف.
ومع عدم إجازة الشيخ الفوزان السفر للسياحة فإنه يؤكد أن الحاجة إذا دعت لذلك وأصبحت ضرورية وكان الغرض من السفر صحيحا سواء كان لعلاج مرض لا يتوفر إلا ببلادهم أو لدراسة لا يمكن الحصول عليها في بلاد المسلمين لتجارة، فهذه أغراض صحيحة يجوز من أجلها بشرط المحافظة على شعائر الإسلام والتمكن من إقامة الدين في بلادهم وأن يكون ذلك بقدر الحاجة فقط ثم يعود إلى بلاد المسلمين‏.‏
ويعقب الدكتور النشمي قائلاً: «إن الشرع لايمنع من السياحة في أي بلد على أن يحافظ المسلم على تعاليم دينه، فلا يكون السفر ذريعة لانتهاك المحرمات» مضيفاً أن الإسلام حبّذ السفر والسياحة في أرض الله بقصد أخذ العبرة والاتعاظ والاستفادة من تجارب الأمم والمتعة «قل سيروا في الأرض فانظروا» وأضاف معقباً: «لا شك في جواز السفر إلى تلك الديار مع الالتزام بترك المعاصي والالتزام بالصلوات والاقتصار في الزيارة على الأماكن السياحية المسلية والمتاحف والحدائق ونحوها وإذا صحب هذه الزيارات نية دعوة غير المسلمين ـ كلما أمكن ذلك ـ وشرح الإسلام ونصح من تأثر بباطل تلك الديار، أو انغمس في المحرمات ففي هذه النية أجر عظيم».
أما السفر للأماكن الأثرية لمجرد السياحة والاستطلاع فإن الدكتور سعود بن عبدالله الفنيسان ـ عميد كلية الشريعة السابق في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ يوضح أن الأصل فيه الإباحة ما لم يباشر المسافر في سفره إليها أو عندها منكراً من المنكرات وطالب الدكتور الفنيسان المسافر أن يقصد في سفره هذا الاتعاظ والاعتبار لقول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون» وقوله: «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
كما إن الدكتور الفنيسان يؤكد أن السفر لغرض الترفيه مباح جائز ما لم يشتمل على منكر من المنكرات وإذا كان الغرض منه إلى المدن الترفيهية هو الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صار مندوباً، أما إذا كان سفر المرء لمجرد الترفيه والسياحة ومشاهدة ومخالطة المنكرات وأصحابها دون نكير فهذا حرام لا يجوز.