أحمد بن علي (جدة)

طالب عدد من العلماء والدعاة والخبراء التربويين ومختصي علم الاجتماع مجلس الشورى بتأسيس مشروع ديني اجتماعي للحد من مخاطر عقوق الوالدين أسوة بالخطوة التي أعلنتها لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل البرلمانية في مجلس الأمة الكويتي التي سنت مشروع قانون حكومي يقضي بالسجن سنتين مع غرامة مالية مقدارها عشرة آلاف دينار على كل من أهمل رعاية والديه المسنين أو احدهما.
وجاء في القانون: انه ونظراً إلى ضرورة الحفاظ على التماسك الأسري ونسيج الأسرة الكويتية المستمد من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف ومد المظلة القانونية لتحقيق ذلك، فإنه يعاقب كل كويتي أهمل رعاية والديه المسنين بالحبس لمدة أقصاها سنتين وغرامة مالية تصل إلى عشرة آلاف دينار أو إحدى العقوبتين، وحدد القانون وصف المسن بمن تجاوز الخامسة والستين من العمر.
إساءة تتطلب العقوبة
في البداية شدد الدكتور عبدالله بن عبدالعزيز المصلح “ الداعية المعروف “على أهمية سن مثل هذه القوانين من قبل مجلس الشورى أو من الجهات المعنية، مشيراً إلى أن عقوق الوالدين أشد إثماً بعد الإشراك بالله تعالى.
وبين بأن عقوق الوالدين وقطع برهما وعدم الإحسان إليهما هو إساءة وعدوان، سواء بطريق مباشر أم غير مباشر. ففي الصحيحين عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه).
وأكد د. المصلح أنه يجب على المسلم بر والديه وطاعتهما، مشيراً إلى أنه حينئذ ينزل الله رحمته علينا، فالرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم، مضيفاً بأن بر الوالدين سبب لبر الأبناء وأن العاق يحرم من الجنة لقول رسولنا الأكرم: (لا يدخل الجنة عاق ولا قمّار ولا منان ولا مدمن خمر).
ضرورة الردع
فيما أوضح الدكتور ناصر بن مسفر الزهراني “ رئيس لجنة اصلاح ذات البين بأمارة منطقة مكة “ بأن عوامل المودة تمزقت داخل البيت المسلم لاسيما في جانب عقوق الوالدين أو هجرهما، مؤكداً على ضرورة وجود الرادع الذي يمنع أبناء الجيل من ذلك.
وشدد على أهمية زرع القيم الإسلامية لدى الشباب المسلم وإحيائها من جديد، مبيناً بأن سبب مثل هذه الظواهر السلبية هو انشغال المسلمين بالماديات وبعدهم عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.
وأكد د. الزهراني على ضرورة اتخاذ وسن القوانين الرادعة لمثل هذه الظواهر من قِبل الجهات ذات الاختصاص، مؤكداً أن ذلك سيكون حصنا للأسر المسلمة من التفكك الأسري الذي نعيش بعض مظاهره اليوم.
الحد من العقوق
فيما طالب الدكتور زهير بن محمد جميل كتبي “ كاتب “ مجلس الشورى بسرعة سن مثل هذا القانون الذي سيحد من عقوق الوالدين، مشيراً إلى أننا اليوم في أمس الحاجة إلى مثل هذا المشروع الذي وصفه بـ”مشروع ديني واجتماعي”.
وبين بأن ظاهرة عقوق الوالدين انتشرت في الآونة الأخيرة بشكل مقلق ومزعج، الأمر الذي يستدعي الإسراع للحد منها.
ظاهرة مفزعة
أما فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالفتاح قاري “ إمام وخطيب مسجد قباء بالمدينة المنورة “ فبين بأن من أبرز الظواهر المفزعة في مجتمعاتنا نحن المسلمين اليوم ظاهرة عقوق الأولاد للآباء والأمهات، مشيراً إلى أنه كلما ابتعدت الحياة الاجتماعية عن الحياة الإسلامية ضعفت فيها القيم.
وأكد على أهمية وضع قوانين رادعة للحد من هذه الظاهرة، متسائلاً: كم نعاني اليوم في حياتنا المعاصرة من تمرد الأبناء والبنات ومن سوء أدبهم مع الوالدين؟ بل من عقوقهم للوالدين؟. مبيناً ان حياتنا الاجتماعية المعاصرة تؤكد أنه عندما يكبر الأبناء والبنات يذهب كل واحد منهم إلى سبيله ويترك الأبوين وحيدين مهجورين وربما كان أحدهما باقيا فيُترك مهجورا وحيدا وقد بلغ مرحلة الشيخوخة وبلغ مرحلة من العمر هو في أمس الحاجة فيها إلى الخدمة والرعاية وإلى وقوف الذرية بجانبه، ثم يتلفت فلا يجد أحدا من أولاده حوله فأي عقوق هذا الذي تفشى في مجتمعات المسلمين.
التجاوب مطلوب
من جانبه أكد المستشار عبدالرحمن بن ساير العواد الشمري “ مستشار شؤون الأسرة في مشروع ابن باز” على أن سن مثل هذه القوانين أو إيجاد جهة لحل مثل هذه الظواهر يعد مطلبا ملحا في وقتنا الحاضر.
وبين بأن الشريعة الإسلامية نصت نصوصا قطعية بوجوب بر الوالدين، وما من شك أن الجميع يدرك كذلك إدراكا عميقا بأن عقوقهما جريمة كبرى وان من المظاهر الغريبة على مجتمعاتنا أن هناك فئة تركت طريق البر وسلكت طريق العقوق، وبالتالي كوننا نوجد مركزا أو دائرة رسمية تتولى توجيه هذه الفئة فأعتقد أنه مطلب لكثرة ما نسمع بين الحين والحين الآخر عن عقوق الوالدين على أن يكون لديها صلاحيات كاملة ومتدرجة ذلك أنه ليس كل من عق من الأبناء فهو متعمد فقد يقع العقوق بسبب ضعف شخصية الابن أمام الزوجة فإذا عرف ذلك يمكن أن يؤخذ بيد هذا الابن ويتم توجيهه وتقوية ضعفه وكذلك توجيه زوجته، ويمكن يكون من الخطوات أنه إذا علم أن هذا فهنا يمكن أن يتخذ في حقه الجزاءات مثلا أو غير ذلك مما يناسب الحال.
وأضاف: أرى في وجود مثل هذه الدائرة الرسمية أهمية فهي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل انه أعظم ذلك ، ومن الأسباب الداعية إلى وجود تلك الدائرة وذلك من ناحية اجتماعية هو أن تقوى الروابط يبن الأبناء والآباء وتضيق دائرة التقاطع والتباعد، ومن ذلك أيضا أننا بذلك نجنب الأبناء سخط الله وذلك كما رواه ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رضا الرب في رضا الوالد وسُخط الرب في سُخط الوالد”. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رضا الرب في رضا الوالدين وسُخطُهُ في سُخطهما” وبالتالي إذا جنبنا الابن سخط الرب جل في علاه فسنحميه من العقوبات الالهية التي قد تقع عليه كالحوادث مثلا أو نحو ذلك لأن عقوبة الله جل في علاه ليس لها شكل ثابت ثم إن عقوق الوالدين قد يكون في الدنيا قبل الآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم: (بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا البغي والعقوق)، إذن يجب في الحقيقة أن يتم وبشكل سريع التجاوب مع هذه الفكرة وعدم التأخر في ذلك.
تأثيرات العصر
الدكتور ضياء مطاوع “ أستاذ التربية بكلية المعلمين بجدة “ أكد على فاعلية مثل هذه القوانين الرادعة إلى جانب تربية الأبناء منذ الصغر على احترام والديهم وتقديرهم، مشيراً إلى أن العصر الحديث وتقنياته لاسيما الإعلام أثر كثيراً على العملية التربوية.
ونبه إلى ضرورة تنمية الوازع الديني لدى الأبناء وأنه واجب محتم على كل مرب، مؤكداً بأن الوعظ الكلامي لم يعد له تأثير على سلوك الأبناء وأن التعامل الصحيح والإيجابي له تأثير بالغ على الأبناء.. ووجه الأبناء باحترام وتقدير الآباء والأمهات، مذكراً إياهم بأن طاعة الوالدين سبب لدخول الجنة والفوز بها بعد رضاهما مشيراً إلى أن السعادة كلها في رضا الوالدين وكون الفتى أو الفتاة لبنة صالحة وضعاها في هذه الدنيا تنمو ويستمر عطاؤها حتى بعد وفاتهما يشار إلى أن المحاكم تنظر في قضايا العقوق ويحكم فيها بالسجن لمدة قد تزيد على عشر سنوات مروراً بالجلد وتأتي هذه الأحكام لردع الشباب عن مثل هذه التصرفات تجاه والديهم الذي أمرنا ديننا الحنيف ببرهما والإحسان إليهما.