الأسبوع الماضي ذهبت لزيارة صديق طبيب في الأمراض السرطانية والأورام هولندي من أصول مصرية يعيش عند أقرب نقطة على الماء في أمستردام أصابني الدوار حتى وصلت إلى صومعته النهرية المنتصبة خلف السياج الخشبي وسط الحديقة الوحشية كأنه في أعماق الخضرة والريح والماء رائحة اليود ما زالت تهب من المياه التي تجاوره والسماء فوقه تنام وتصحو لترسل له أحياناً دون مواربة ضوءا يليق به.. أعدت لنا زوجته (ليزا) عشاء خفيفا في الحديقة.. استعدت بعض لياقتي الجسدية والنفسية بعد أن فرغت من الطعام والشراب بدأ حبل الحديث بعد ذلك يترنح وصقيع الأسئلة يزداد عن الأصدقاء والزملاء

وحال البلدان تكلمنا عن الغربة الجغرافية وهجرة الأماكن الأولى وكيف أنه لا وطن لغريب وأن الفنادق تصبح أكثر ألفة في بعض المواقف.. كان الاختلاف بيننا وما زال كبيراً في تحديد معنى الغربة انتهى بنا الليل في مقهى صغير على رصيف في وسط مدينة أمستردام حيث المقاهي والمطاعم تتحزم حول خصر الساحات.. قلت له هل أحضرتني هنا لأقص الأثر.. فقد شهد هذا المقهى المتواضع أجمل أيامنا في أمستردام قال لي لم يبق لي من شيء حقيقي جميل بعد الستين سوى قراءة أطراف الأماكن كانت السماء مضاءة بنجوم واثقة وقمر يعلن وضوحه مثل كل شيء في أمستردام ليس ثمة الكثير من الأسرار في أمستردام.. ظهرت في الساحة عازفة تتهاوى بثوب من الستان السماوي اللون تحتضن كمنجتها المرصعة بالكريستال راحت تحنو على أوتارها المرتجفة كانت تغطي شعرها الخفيف بكوفية رمادية بدأت تعزف أغاني فرنسية قديمة (لاريت بيان) و(شال نافور) و(جاك بريل) ثم استبدلت الكمان بجيتار إلكتروني موصول بمضخم صوت بجوارها وأخذت تغني (حلوة يا بلدي) لداليدا المرأة التي أحبت كما تحب امرأة مصرية حقيقية وانتهت حياتها مثل كيلوبترا بمنتهى التراجيديا كانت ترقص وهي تغني مثل غزلان برية كنت أظن أن ما يحدث أمامي لا يحدث إلا في الروايات والأفلام أن أسمع موسيقى وأغاني عربية في وسط أمستردام توقفت قليلاً ثم غنت باكتب اسمك يا بلادي على الشمس الـ ما تغيب.. كانت شابة في منتهى الجمال بشرة ذهبية ممتلئة قليلاً عيناها عسليتان واسعتان في أذنها أقراط كثيرة ولامعة على رقبتها وشم عربي يصعد من الترقوة باتجاه أذنها اليسرى فنانة هيبية فجأة حملت الجمهور المتحلق حولها كله على صهوة حنجرتها الجامحة وبدأت تغني (found my love in portphino) عثرت على حبي في بورتو فينو ولم تتوقف سرقة قلوب الساهرين الذين جاؤوا من كل مكان إلى هذه البلدة الساحرة سعياً وراء البهجة ثم بدأت بغناء (هالو) لـ(أديل) فرقص كل الفتيان والفتيات معها وأخذ البعض منهم يلتقط الصور معها لوضعها في الفيس بوك والانستجرام بعد أن انتهت أخذت تحيي الجمهور بكل اللغات الذي ملأ حقيبة الكمان الجلدية المفتوحة على الأرض بكل أنواع وفئات النقود فجأة تقدمت من صديقي الدكتور وأرسلت له سلاماً مع عبارة مصرية أصيلة.. قلت له تعرفها؟! أجابني وهو يضغط على شفتيه بسبابته هي إحدى مرضاي. اعتراني حزن مثل الحزن الذي يبدو على وجه رجل اعترف للتو لأول مرة لامرأة بأنه يحبها ومضى في طريقه غير آبه بالرد مسكت دمعتي وأنا أستفسر منه عن نوع السرطان قال لي بعد أن راوغني في الإجابة كما يراوغ زلال بيضة في يد (مصابة بنوع شرس من السرطان) أيامها قصيرة ألم تلاحظ بقايا شعرها أسفل الكوفية خفيف مثل المواليد الجدد من أثر الكيميائي لم يكن لدي ما أقوله أخرستني الصدمة ياااه ما أقذره من مرض لا أخلاق له ولا رحمة لم يأبه بشبابها ونضارتها لم يلتفت إلى رغبتها في الحياة.. صورة الجيتار وهي تغني الدانوب الأزرق لـ(شترواس) وضوء القمر لـ(بتهوفن) وشهرزاد لـ(كورساكوف) لا تتوقف ولكنه لم يعد يصل إلى القلب فكلمة (سرطان) مرتبطة بالموت فالسرطان بطاقة إنذار أخيرة يرفعها الجسم في وجه صاحبه ليسد طرق الأشياء الجميلة كلها.. نظرت إلى ساعتي قلت لصديقي الوقت تجاوز منتصف الليل بكثير ووقت الضيافة قد انتهى هذا ما تقوله وجوه المستضيفين في المقهى.. سأذهب إلى فندق قريب منك حتى الصباح.. قال لي المدينة التي لا تجد فيها سرير صديق ليست لك.. رافقته وبسمة الصبية المضيئة على فمها الصغير والتي تشبه زهوراً تلتف على بعضها بشغف تلاحقني.. وتجعلني أتساءل كيف تستحضر تلك المسكينة كل تلك الطاقة والشعور بالبهجة لإسعاد كل أولئك الناس وهي على حافة الحياة.. يبدو أنه فعلاً جمال الحياة في نصفها الآخر!! رحمتك يا رب..