أفقت على دخول رجل طاعن في السن إلى مكتبي من بين المرضى الذين أعرفهم، يجر عكازه جرا كأنه مربوط إلى حجر ثقيل، عندما مددت يدي لمصافحته راح يضغط عليَّ بقوة وكأنما لأتيقن من وجوده.. سقطت في شباك ابتسامته التي اتسعت إلى حدودها القصوى.. جلسنا متقابلين.. سألني عن أحوالي ببساطة فشكرت له في سري محاولته التي أذابت جليد اللقاء.. بدأ الحديث قال لي أشعر أنني أعرفك منذ زمن سحيق، لا أقصد شكلك أو ملامحك فقط بل شخصيتك وأفكارك، فأنا أقراء لك منذ زمن.. أربكني اندفاعه في الكلام.. صمت لحظة قبل أن يواصل كلامه همسا وكأنه يحدث نفسه، ثبت نظرته في عيني وهو يقول لي أنتم تحرصون على معرفة هوية المريض رجلا كان أو سيدة قبل البدء في علاجه، بل والحصول على ما يثبت حقيقة شخصيته من خلال وثائق رسمية، أليس كذلك؟ قلت له نعم، مط شفتيه بسخرية لاذعة ثم تابع بخشونة وغضب: ولكن تحرموني حقي في معرفة هوية من يعالجني.. لقد ذهلت أن أكتشف أن من باشر علاجي منذ دخولي المستشفى وحتى خروجي طبيبة منقبة متخفية حرمتني من الشعور بالتواصل والطمأنينة اللازمة التي تعتبر جزءا أصيلا في العلاج.. لقد نسيتوا المبدأ الإنساني العظيم بأن إخفاء الوجه هو اعتداء على حرية المريض الذي من حقه أن يعرف من الشخص الذي يقوم بعلاجه ويتفاعل معه.. قلت بتهذيب بارد وبلهجة شمعية أردتها دشا مثلجا ينزل على فورته وانفعاله: التحجب حق مطلق، نحن مجتمع محافظ أمام خيارين، بين المتشددين والمتبرجين، أيهما أفضل خراب أمه أم مجتمع محافظ.. أحسست برعدة خفيفة تسري من أعلى عموده الفقري حتى تبلغ نهايات أطرافه، تنهد بعمق ثم التفت إلي قائلا: ما تقوله شعار فضفاض مليء بالمغالطات والتناقضات.. نحن مجتمع محافظ.. ههه يحافظ على ماذا!! ولماذا لا نقول نحن مجتمع متناقض أهوج باطنه غير ظاهره وأن ما يحدث في الخفاء أبشع مما نظن.. من تريد أن تتحجب عليها أن تعتزل العمل في القطاع الصحي فليس عدلا أن أتعامل مع موظفة لا أراها، ربما هذه أختها صديقتها جارتها أخوها خالها.. من ناحية أمنية كيف ينطبق ما تقومون به من نشر الكاميرات في مرافق المستشفى ترصدون كل شيء فإذا جلست منقبة وتركت قنبلة في ركن ما واختفت كيف ترصدها الكاميرات وتحدد هويتها، قالها وكأنه فقأ جرحا في روحي بسكين صدئة.. رحت أنصت إلى حديثه وهو يكمل: يوجد علم كامل كما أوضحت لي ابنتي (الممرضة) له منهجه ودرجاته العلمية المتخصصة اسمه (مكافحة العدوى) لأن المستشفيات كما هي مكان للاستشفاء هي أيضا أخطر بيئة للعدوى إذا لم تطبق معايير وقواعد المكافحة الصارمة التي تحدد بمنتهى الدقة نوع وخامات الملابس وأقنعة الوجه والقفازات والرداء الحاجب بين المريض ومقدم الخدمة، بل إن هذه المعايير تقرر أولوية ارتداء الملابس ثم أولوية خلعها، فلا يجوز خلع القناع قبل القفازات بعد التعامل مع المريض، وهكذا تدخل العلم في أدق تفاصيل مقدم الخدمة الطبية. بقيت مصغيا وأنا أكتم دهشتي طوال اندفاعه الحماسي في الحديث، كان كلامه علميا متماسكا ويمضي بثبات وفق منطقه الخاص.. كنت أعرف ضعفي الأزلي في عدم الرد عليه، وفي رهان القوة والضعف غير المعلن بيننا استفزني قائلا: اخلع عنك يا دكتور حجابك المنسوج من الغيوم وأرني جلدك النقي الأبيض.. لماذا لا تسن قانونا صارما في مستشفاك تمنع فيه النقاب وطمس الوجه في بطاقات التعريف التي تحملها الإناث العاملات.. استيقظت من نهر أفكاري، تمتمت بلهجة منهزمة أنا شيخ قاب قوسين أو أدنى من القبر، أريد فقط سلاما يأخذني إلى ربي، كما أريد نهاية من دون مشكلات بصحة وعافية وهدوء، قلتها وأنا أتنهد.. أخذ ينصت إلى نبرتي المستسلمة، وفي جزء من لحظة انتصب ممسكا بعكازه وتدفق في الكلام في حماس وكأنه يناضل ضد صمتي الأزلي، قال لي يا دكتور إذا انسحبت أنت وانسحبت أنا وآخرون فمن سيتكلم.. من سيغير القبح في هذا الوطن.. لنكن صريحين ولو لمرة واحدة في العمر.. قالها وترك المكتب وهو في غاية التوتر يضغط على شفته السفلى بمقدمة أسنانه.. تلك الجملة القاطعة حسمت حوارنا!! فاتني وأنا أودع ضيفي أن أسأله هل ابنتك (الممرضة) منقبة أم لا!!