كانت بداية معرفتي بالإعلامي العلم عبدالعزيز قاسم عام 2003 حسب ما أذكر، عندما هاتفني يقترح إجراء مقابلة معي ضمن سلسلة المحاورات التي كان يجريها آنذاك وينشرها في ملحق الرسالة في صحيفة المدينة تحت اسم (مكاشفات). كانت تلك المحاورات من أنجح ما ينشر في الصحف المحلية، لما كانت تثيره من جلبة، وما كان يحدثه ضيوفها من صخب عال بآرائهم، التي غالبا ما تكون مختلفة وبعيدة عما اعتاده الناس وألفوه. كما كان صاحب المكاشفات حريصا على أن ينشر مع الحوارات ما كان يكتبه بعض المعنيين بموضوعها من تعليقات، ولم تكن تلك التعليقات أقل سخونة من المحاورات نفسها، فقد كان بعضها

فظا خلوا من اللباقة في القول، وبعضها يكتظ بالجدل والاختلاف الشاسع في وجهات النظر وتضارب الآراء، فتزيد الحوار أوارا.

قبل أيام أسعدني الأخ عبدالعزيز بإهدائي ثلاثة من إصداراته الجديدة، التي ضمت عددا من (مكاشفاته) الأخيرة، التي أجراها مع بعض الرموز المحلية والعربية ما بين عامي (2008 و2009)، ونشربعضها في ملحق (الدين والحياة) بصحيفة «عكاظ»، وقد أعطى لكل إصدار منها عنوانا يعبر عن موضوع الحوار داخله. وهي: (بين التجديد والتحديث في الفكر الإسلامي المعاصر)، ويحتوي حواراته مع الشيخ محمد حسين فضل الله والدكتور حسن الترابي، و(حوارات حول الليبرالية السعودية) ويتضمن مكاشفاته مع الأستاذين إبراهيم البليهي وعبدالرحمن الراشد، و(هل يعارض العلم الدين) ويضم آراء عدد من المنشغلين بهذه المسألة مثل الدكتور توفيق السيف والدكتور خالد الدخيل والدكتور أبو يعرب المرزوقي.

وغني عن القول أن هذه الأسماء جميعها، تشير إلى أن المحاور (كعادته دائما)، تعمد اختيار ضيوفه من بين الشخصيات المثيرة للجدل، فهو بطبعه لا يحب البارد والمتفق حوله، وإنما يحرص على أن يكون ما يقدمه ساخنا يتصاعد منه الدخان المحرض للألسن على الانطلاق.

قضيت بضعة أيام بصحبة تلك الكتب الدسمة، ووجدتني أغرق في بحر من الحوارات والنقاشات الفكرية ذات الأهمية، إلا أن أكثر ما شدني منها الحوار مع الدكتور الترابي، فالترابي يتناول بثقة وجرأة بعض القضايا الفقهية، التي تعد من المسلمات لدى عامة المسلمين وأغلب علمائهم، ويطرح آراءه حولها من منظور جديد مختلف وصادم، مرفقا ذلك بحجج شرعية ذات قيمة للتدليل على صواب ما يرى، فتجد نفسك غارقا في التأمل فيما قال، منشغلا في التفكير حوله، حتى وإن لم تسلم به تماما.

هذه الكتب الثلاثة بما احتوته من آراء ووجهات نظر لمفكرين محليين وعرب حول بعض المواضيع المعاصرة، تعد مراجع علمية قيمة تسجل التوجهات الفكرية السائدة في هذه الفترة من التاريخ في منطقتنا العربية، وتبين عمق ما يوجد فيها من أشكال الاختلاف والصراع.

شكرا للأخ عبدالعزيز قاسم على هديته الثمينة، وتمنياتي لإصداراته بالانتشار والنجاح.