صفي الدين الحلي، من شعراء العراق في القرن الثامن الهجري، بدأت معرفتي به وأنا في المدرسة الثانوية، كغيري ممن هم في جيلي، كانت قصيدته الفخرية (سلي الرماح) تدرس لنا ضمن مقررات الأدب في تلك المرحلة، وهي قصيدة طويلة تبدأ بتوجيه الشاعر خطابه للحبيبة مفتخرا: (سلي الرماح العوالي عن معالينا،، واستشهدي البيض، هل خاب الرجا فينا) (وسائلي العرب والأتراك ما فعلت،، في أرض قبر عبيد الله، أيدينا)، ثم ما يلبث أن يستدرك خشية أن تظن فيه الحبيبة صفة العدوان والظلم فتزدريه وتنفر منه، فيقول: (إنا لقوم أبت أخلاقنا شرفا، أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا) (بيض صنائعنا، سود

وقائعنا، خضر مرابعنا، حمر مواضينا).

هذه القصيدة الموسيقية الجميلة، بصرف النظر عن كثرة ما فيها من صور العنف، انتشرت بين الناس إعجابا بها، وتفاعلوا معها بشدة لما تحركه فيهم من مشاعر الفخر والتباهي بالنفس، فكان أن حجبت بقية ما قال صفي الدين من قصائد، رغم أن له قصائد أخرى غزلية لا تقل جمالا عنها، مثل قصيدته (قالت) التي تغنى بها المطرب المصري الشهير محمد عبدالوهاب، فزاد أداؤه البديع من جمالها، وصار الذين يصغون إليها مغناة يزدادون إعجابا وتعلقا بها.

قصيدة (قالت) تتحدث عن عتاب الحبيبة للشاعر لما أحست بفتور حبه لها، وهي التي اعتادت منه حرارة اللهفة والشوق، من أجمل أبيات القصيدة قوله:

(قالت: تسليـت بعــد فرقتنـا! فقلت: عن مسكنــي وعن سكنــي)

(قالت: تناسيت! قلت: عافيتي،،، قالت: تناءيت! قلت: عن وطني)!

هذان البيتان كم هما بديعان!! أجدهما من أجمل ما قرأت من شعر الحب، فالشاعر في البيت الأول يرى حبيبته هي المسكن والسكن، بكل ما يوفره ذلك من الراحة والطمأنينة والدفء، حب لروح الحبيبة وليس لجسدها، حب خال من التعلق بالجمال الحسي الذي ما يلبث أن يذبل ويتلاشى.

في البيت الثاني يذكر الشاعر أنه في نأيه عن الحبيبة تكتنفته الغربة وتطبق عليه الوحشة ويسقمه التشرد والضياع! فنأيه عن الحبيبة كنأي عن الوطن، بل هو النأي عن الوطن عينه، تماهت في قلب الشاعر صورة الحبيبة بصورة الوطن بكل ما يعنيه من أمان وسلام وأنس ومحبة، فإذا هي الوطن وإذا به الغريب المشرد النائي عن وطنه!!

أي حب أكبر من هذا! أن يتخذ الشاعر من الحبيبة وطنا! وأية مكانة ترنو إليها الحبيبة، أكثر من أن تكون وطنا لمن تحب!