كان ملفتا لي أن أقرأ ما كتبه المحامي المعروف ماجد قاروب حول ولاية الرجل على المرأة، فقد استفتح مقاله المنشور في «عكاظ» يوم الجمعة (18 صفر)، بقوله:

«ولاية الرجل على المرأة وقيامه عليها ثابتة بالقرآن والسنة (....) وهي ولاية رعاية وحماية وإكرام، فولي المرأة هو القائم على أمرها وخدمتها والمسؤول عنها، وهي ولاية ثابتة لا تتغير بتغير الزمان ولا بتقدم السن أو استقلال النساء بمعاشهن»، ثم أنهى المقال بقوله: «وعلينا أن ننتبه إلى أن الدعوة لإسقاط ولاية الرجل على المرأة بسبب ظلم بعض الأولياء هي دعوة لتعميم الظلم على المرأة، لأن الرجل إن فقد «السلطة» على أهل بيته وكفت يده عن رعايتهم وكفايتهم وحمايتهم صاروا نهبا لكل فاسق وفاجر».

ما هو ملفت في هذا الكلام هو أن كاتبه محام، ولو أنه كان غير ذلك لربما عددت ما قيل رأيا خاصا ولم ألتفت إليه. لكنه محام، وهذا يعني أنه أقرب الناس لمعرفة الفرق بين «القوامة» التي وردت بنص القرآن الكريم، و«الولاية» التي يفرضها نظام مدني تطالب النساء بإلغائه، فما المصلحة من التلبيس على الناس بإظهار الاثنين كشيء واحد؟!!

وإذا كانت القوامة الثابتة بالشرع تعني رعاية الرجل للمرأة وقيامه بشؤونها وإنفاقه عليها، فإن هذا لا يدخل فيه تجريدها من الحق في أن تكون هي المخولة بالبت في شؤونها، بدليل أن الشرع نص على استقلالية ذمة المرأة في البيع والشراء والهبة والإقراض والاقتراض، ولم يقيد إمضاء شيء من ذلك بموافقة أحد من أهلها، فاشتراط موافقة الولي في الشرع مقصورة على عقد النكاح وحده، أما ما عدا ذلك فهو اجتهاد من واضعي الأنظمة المدنية ليس إلا.

وحين تطالب المرأة بإلغاء نظام وضعي، يلزمها بإثبات موافقة «ولي أمرها» كلما احتاجت للالتحاق بالدراسة أو العمل أو السفر أو غيره من الشؤون الشخصية، فإنما هي تطالب بإزاحة عقبة يضعها ذلك النظام في طريقها كلما أرادت إنجاز حاجة لها.

ومن المؤكد أن موافقة ولي الأمر ليست عقبة لكل النساء، فالأغلب الأعم من أولياء الأمور حريصون على مصلحة مولياتهم، لكنها تكون كذلك لدى بعض النساء عندما يكون ولي الأمر متغيبا، كأن يكون سجينا أو منوما في مصحة نفسية أو مفقودا أو هاربا، أو حين يكون بينه وبين موليته خلاف، فيأخذ في معاندتها واستغلال السلطة الممنوحة له في حرمانها، أو مطالبتها بالمال في مقابل إعطائها موافقته، أو غير ذلك مما فيه أيذاء وإضرار بالمرأة.

وكون هذا النظام سببا في إيقاع الأذى والضرر بالمرأة، حتى وإن كانت نسبة المتضررات قليلة، يجعل وجوده لا مسوغ له، بل يجعله متعارضا مع تعاليم الشرع الذي ينهى عن التسبب في الإضرار بأحد.

إني لا أدري كيف تسنى لمحام بارز كالأستاذ قاروب القول: «وعلينا أن ننتبه إلى أن الدعوة لإسقاط ولاية الرجل على المرأة بسبب ظلم بعض الأولياء هي دعوة لتعميم الظلم على المرأة، لأن الرجل إن فقد السلطة على أهل بيته وكفت يده عن رعايتهم وكفايتهم وحمايتهم صاروا نهبا لكل فاسق وفاجر»!!.

فهذه العبارة تحتوي على نظرة متعالية على المرأة، تجعل العلاقة بين الرجل وأهل بيته علاقة «سلطوية»، كما تجعل المرأة قاصرا متى فقدت حماية الرجل صارت «نهبا لكل فاسق وفاجر»!!

على أية حال، أود أن أطمئن الكاتب الكريم إلى أن إلغاء نظام ولاية الرجل على المرأة لن يكف يده عن رعاية أهل بيته، ولن يسلب منه ممارسة السلطة عليهم متى شاء. كما أن إلغاء هذا النظام لا يبتدع جديدا وإنما يعيد الأوضاع إلى أصلها الذي كانت عليه، وفي الأصل لا وجود لهذا النظام، وقد آن له أن يعود من حيث أتى.