صباح آخر في «كانسس ستي».. لا أشعر بلذة الكون إلا عندما أعانق نور الصباح الطري أغنم من الصباح لذاته قبل أن تشيخ الأيام.. ساعتي الداخلية التي لا تخطئ منذ عرفت نفسي عرفت الالتزام المطلق بمواعيد الصلاة، بمواعيد العمل، بمواعيد البهجة، بمواعيد الأصدقاء.. أستيقظ قبل الفجر بقليل أؤدي الفريضة ويبدأ يومي. كانت أشعة الشمس تراوغ الغيوم التي غطت سماء المدينة فهذه أشعة تخللت غيمة رقيقة وتلك تسربلت بين غيمتين وتلك ثالثة انتظرت مرور غيمة حية ثم عدت عدواً سريعاً وأخذت تحتضن الأرض في فرح وحبور.. الناس هنا في عطلة نهاية الأسبوع يصحون مبكرين كأنهم في عرس لا ينتهي،

الوجوه ناصعة نظيفة باسمة تطرب للحياة وتستمتع بكل ذرة حب فيها.. مشاهد تنطق بالبهجة وحب الحياة.. كنت أقود عربتي وأنظر إلى الطرق النظيفة إلى المباني والنوافير إلى التماثيل والساحات العامة مخصرة بالأزهار، هزني الجمال هزاً وتذكرت «الضد» اللون الرمادي الشاحب «لدينا» من صباحات عطلة نهاية الأسبوع حيث الشوارع الناعسة الخالية والمقاهي الفارغة إحساس بالوحشة والوجوم وجوه شاحبة ساهرة لم تنم.. لا أحد يكلم أحدا لا تسمع إلا في القليل صباح الخير وأصوات عربات تهدر مسرعة فوق الإسفلت بلا مبالاة.. أمضي في القيادة أختلس النظر للشجر أتطلع بعينين فسيحتين أعانق الزمان هكذا أنا في تفاصيلي اليومية.. تفاصيل الحياة العادية تلفني تطويني طياً أستمتع بها حتى إذا حان الحين لا أندم على ما فرطت فيه.. سر من أسرار السعادة لمن لا يعرفها.. معرفة قيمة ما نحياه في حينه.. تجيش الروح بتجربة الصباح الباكر.. أراقب المفارق في الطرق.. المفارق أحد مصادر الحنين.. كل مفرق يعني لي التقاء طريقين وكل طريق يؤدي إلى طريق وكل طريق يعني المضي إلى غاية.. إلى مصير ولا يمكن لإنسان ان يمضي إلى أكثر من طريق في الحياة في وقت واحد.. في فوضى المتعة الصباحية يبدو أنني تجاوزت السرعة المحددة قليلاً.. بعد برهة لمحت سيارة بوليس تختفي خلف إحدى الأشجار حاولت كبح جماح العربة.. انطلق خلفي كهدير الموج العاتي.. كشيطان به مس.. انطلق خلفي كثور هائج.. رصدني الماكر الراصد في عربته ملأ الفضاء بضجيج المنبه وأنوار تضيء الكون توقفت على قارعة الطريق وتوقف خلفي فتح باب عربته كجناحي عقاب وأطل بقامته الطويلة الفارعة كنخلة مقوسة كان بهي الطلة نظيفاً أنيقاً ذا شعر أشقر وعضلات متكورة، قوس ظهره وهو يحدثني عبر النافذة مرر يده اليمنى على شاربه الكثيف ثم ألقى علي تحية الصباح بطريقة جافة رددت التحية.. ثم بدأ يفترسني باحترام ذلك الثعبان قال لي بصوت حامض هل تريد أن تنتحر هذا الصباح! قالها بسخرية لا بد أن تحافظ على حياتك وحياة الآخرين، نفذ كلامه كسكاكين في لحمي طلب مني رخصة القيادة وتسجيل العربة والتأمين عليها استلمها مني وتفحصها حدق في، ثم مضى كالنسمة إلى عربته أخذت أتسلل النظر إليه في مرآة العربة غاص في مقعده كان يدير أصابعه ويضغط بها على جهاز الحاسوب الآلي.. في لمح البصر عاد لي وضحكة بطيئة على ثغره داعبني بقسوة قائلاً لا أصدق أن ستينيا لم يُسجل في سجله أي نوع من المخالفات، قالها باستغراب، أجبته في ذل لم أفعلها من قبل! ارتسمت على شفتيه ابتسامة حية وحرك لسانه بسرور مط عنقه الفارع كحبل يابس قائلاً لن أسجل في ملفي سابقة أن أكون أول من يشوه سجلك النظيف، سأكتفي بإنذارك شفهياً رافقتك السلامة! كنت أتبعه يعود إلى عربته فرحاً كطفل حصل على لعبة جديدة، قلت لنفسي وأنا أعيد الرخصة لمحفظتي أشهد أن لا حظ في الدنيا يفوق حظي اليوم.. لحظات وإذا بهاتفي يضيء برسالة من مركز الشرطة المركزي «تم تحذيرك شفهياً من الشرطي مارك فستغل لتجاوزك السرعة بطريق ممر الغزلان بالمنطقة كذا يوم كذا الساعة كذا الدقيقة كذا نرجو لك حياة آمنة»، قرصة أذن حسب ما فهمت.. عبأت صدري بالهواء وأنا أغلق النافذة.. زفرت زفرة طويلة قلت بوجع يبدو أننا استوردنا من أمريكا أجهزة ساهر ناقصة، ليتنا استوردنا كامل النظام!.