(المطرة لها محب ولها كاره) مثل شعبي قديم لم يأت من فراغ وإنما أتت كل مكوناته وركبت حروفه على نهج تجربة أو تجارب.. استقرت محصلتها في وعاء العقل فترجمها المنطق بهذه العبارة.

والمطر رحمة الله، دموع السماء تغسل الأرض وتطهرها من أدران البشر.. ولعل أصدق الانطباعات تعبيرا وابتهاجا هي سائر مخلوقات الله وفي مقدمة تلك الشجر أو الخضرة والأزهار.. فهي تكاد تنطق بالفرحة والنظرة والانشراح.. والإنسان هذا الكائن الحي العجيب الذي دانت له كل المخلوقات لسيادته بفضل الله.. فإن منه المؤمن الذي يحب المطر ويأنس به ومنه من يكره المطرة ويكره بذلك رحمة

الله.

جدة تغرق في شبر ماء:

وجاءت المطرة مبكرة من صباح يوم الأربعاء الماضي وكشفت عورات وسوءات كثيرة من أمورنا ومن ذواتنا، فالطرق الرئيسية التي أنفق عليها الكثير سرعان ما أصبحت بحيرات.. غرقت السيارات وغاص ركابها في الوحل وتعطلت حركة المرور وخاصة بالنسبة للطلبة والطالبات، وما كان ليكون ذلك لولا الغش من المنفذين وخيانة الله والضمير.. وخيانة هذا الوطن والأمانة.. فقد كان التنفيذ سيئا لم يراع مناسيب المياه وانحدارها، وكأن من بناها قد قنط من رحمة الله.. ومع أن أجهزة الدولة تحركت (الأمانة وشركة النظافة والدفاع المدني) وبذلت أقصى طاقات جهودها إلا أن ما حدث يعتبر تشويها لوجه المدينة.. أصابها بالتجاعيد، وإذا ما أمعنت النظر يصدمك الواقع الذي كشفت عنه هذه الأمطار.

السيل من أعالي السطوح:

وقد استيقظ الناس على أمر آخر، فقد تدفق الماء جارفا وأخذ ينزل من باب السطوح، يحاول بعد أن تجمع أن يجد مخرجا ويغمر كل الأشياء، ودخل على النائمين ليستنفر الجميع وهم في حالة عجيبة.. ومع أن السقوف من الأسمنت المسلح إلا أنها أخذت تمثل سماء صناعية أخذت تصب المطر كأفواه القرب.. وكذلك أخذت المجاري العامة والمجاري الخاصة في التسرب إلى الخارج بعد أن امتلأت وفاضت ولم تجد طريق التصريف سالكة.

والسيارات وما أدراك ما السيارات، فهي أزمة ضمير وأزمة أخلاق، فهي وسيلتك لأن تخرج من المطر ومن المستنقعات لتصل إلى عملك أو لتصل لمنزلك أو لتأخذ أبناءك من المدارس.

ونعود إلى السيارات لنجدها قد توقفت وهمدت الحركة فيها وما ذلك إلا لسوء المواصفات، وحتى لا نظلم الحقيقة فإننا نقول إن الشركة المصممة لم تضع في اعتبارها أن تكون برمائية، أي تمشي في البر وفي الماء.. وكمحصلة لكل هذا وذاك، ليسمح لي المسؤولون في المرافق العامة وفي المؤسسات والشركات وليسمح لي السادة المهنيون من مقاولين ومهندسين وعمال منفذين ومن تجار وباعة أن أسألهم.. أن أوروبا أو الغرب وحتى الشرق تأتيهم الأمطار في حالة تفوق حالتنا.. ففترات نزول الأمطار قد تستمر تهطل شهرا بحاله.. ولكن لم يحدث أن تعطل المرور أو تجمعت المياه لتكون بحيرات، أو أصاب الشلل أجهزة الهاتف أو..أو..أو وما أكثر الأواوات.. إنها والله العظيم لمسألة تحتاج إلى نظر.. فهل نعيد النظر في كل تصرفاتنا وننظر إلى المستقبل بإيمان وثقة فيما عند الله.. ونحسب أن المطر يأتي في كل عام بل ويأتي دائما ونتعامل مع الواقع كذلك.

أرجو أن يهبنا الله من الإيمان ما يفعل فعله المطر.. فيغسل عنا كل الأدران والأوساخ ويطهر قلوبنا وضمائرنا لينعكس كل ذلك على أدائنا وعلى إحساسنا بالمسؤولية بالولاء للوطن.. آمين.. آمين.. آمين.

هذه مقتطفات من مقالة لي سبق نشرها بتاريخ الثلاثاء 4 جمادى الأولى 1409، أي قد مضى عليها 29 سنة وما زالت المأساة تتكرر رغم ما أنفق على المشاريع والبنى التحتية.. ولكن مطرة خفيفة كمطرة يوم الجمعة الماضي رغم أنها لم تكن قوية ولم تدم طويلا ومع ذلك تركت آثارا سلبية واضحة.. الأمر الذي يعني أن هناك تراكمات وأخطاء منذ ذاك التاريخ وحتى الآن (وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا)، وحسبي الله ونعم الوكيل.