تقام غدا فعاليات معرض جدة الدولي للكتاب بجهود عظيمة مشكورة بذلتها الجهات المنظمة والإشرافية وسط ترقب كبير من الجمهور المتعطش للقراءة والالتقاء برموز الثقافة والأدب في السعودية ضمن أجواء كرنفالية قلما تتكرر، لكن هناك بالطبع من أصحاب المشاريع الظلامية من يسوؤه وجود أي فعالية تنوير في هذه البلاد فيعمل على إثارة البلبلة والتشكيك في أخلاقيات السعوديين ووعيهم وقدرتهم على التمييز، ومن ذلك ما يبث من دعوات في شبكات التواصل هذه الأيام لمنع ما يصفونه بالاختلاط في المعرض ومصادرة كل الكتب التي تكشف زيف شعارات التيارات الحزبية الإسلاموية وتعري رموزهم وتفسد مشاريعهم.

ما يواجهه معرض الكتاب ليس جديدا فقبل سنوات حينما كان يقام في العاصمة فقط، تعالت أصوات نشاز عبر شبكات التواصل تحذّر الناس من زيارته دون وجود موجه ومرشد معهم من التنظيمات الدينية السريّة التي تضرب بالأنظمة عرض الحائط وتمارس الافتئات على ولي الأمر والجهات الرسمية باسم «الاحتساب» وهو منها براء.

أحد شيوخ هؤلاء أطلق حينها فتوى علمية طبية تفيد بأن معرض الكتاب قد يتسبب في ظهور «نكت سوداء» في قلوب السعوديين، وهي - كما يبدو - فتوى تنطلق من مستودع «السذاجة» نفسه الذي خرجت منه فتوى أضرار قيادة السيارة بـ«مبايض» النساء، وكذلك فتوى «غدة النسيان» لدى المرأة وغيرها من الهرطقات التي يضحك منها المجانين قبل العقلاء، ما يكشف أن الحرب على معرض ليست سوى امتداد تاريخي لرد فعل المتطرفين على نشر المعرفة ومحاربة الجهل، ويمكن أن تندرج في إطار «فوبيا التنوير» التي تعبث بعقول وقلوب الظلاميين، وإلا فإن المعرض يقام برعاية جهات رسمية وتحت نظر الدولة التي هي أحرص على المواطنين من أي متحذلق أو حركي مشبوه لا يضمر خيراً للبلاد والعباد.

في بداياته في السعودية تعرض المعرض لحملات تشويه واسعة النطاق من خلايا «احتسابية» غير نظامية، ووصل الأمر إلى محاولة تخريبه بالقوة من متطرفين رصدتهم عدسات الهواة ونشرت الصحف أخباراً عنهم، ويمكن العودة إلى شبكة الإنترنت التي تزخر بمقاطع فيديو مختلفة عن هذه الأحداث، ومع ذلك استمر المعرض وازداد إقبال الناس عليه وخسر المتطرفون معركتهم الهادفة إلى إلغائه أو تسليمهم إدارته، وهذا ما دفعهم إلى اللجوء إلى الخطة «ب» التي تتمثل في محاولة فرض الوصاية على الناس وتوجيههم بالفتاوى التي تستغل عواطفهم للانقياد لتعليمات المتطرفين وأجنداتهم الظلامية.

المغردون السعوديون في «تويتر» حولوا سابقا وسماً بعنوان «لا تروح معرض الكتاب لوحدك» إلى حلبة سخرية عالمية من عقليات المتطرفين وشيخ فتوى «النكت السوداء»، فأحدهم سأل ساخرا: هل هؤلاء يريدون من الرجل أن يصطحب معه متطرفاً كـ«محرم فكري؟»، وآخر يطلب تدشين خدمة جديدة لتسهيل أمور زائر المعرض بمسمى «مرافق وفق الضوابط»، ومغردة تسأل: ما وجه الشبه بين معارض الكتب والملاهي الليلية في عقول أعداء العلم والحياة؟

يجدر بنا بعد كل هذا أن نعترف بأن هناك إرهاباً فكرياً يوازي الإرهاب الفعلي على الأرض، فالأول يستهدف ضرب سمعة الدولة وتصويرها كراعية لما يخالف الإسلام، والآخر يستهدف ضرب الأمن في الدولة، وكلا النوعين تقف خلفهما الآيديولوجيا نفسها، ولذلك فإن ما يمارس ضد معرض الكتاب ليس سوى عمل إرهابي فكري، منفذوه طلقاء لم يتم تجريمهم.