أُخذ الإعلام ووسائل الاتصال - باعتبار الارتباط الوثيق بينهما - كمساحة للاعتداد بالرأي والتعاند في التعبير عنه والتصنيف ورفض الآخر، ظهر المجتمع السعودي من خلال هذه الوسائل كمجتمع جدلي ومتخاصم في بعض المواقف كنتيجة أفرزها الصراع الثقافي بين الأصالة والحداثة، فلم تكن وسيلة لتعبير الفرد المسؤول عن رأيه أكثر من كونها وسيلة لإظهار التنافر الناتج عن المشكلات الفكرية الكامنة التي وجدت منافذها من خلال هذا الإطار بطريقة التعبير التي قد تختلف مع واقع الفرد الحقيقي وقد تتناقض معه أحيانا.

جاءت بعض الأخبار بدراسة قرار منع الظهور الإعلامي من قبل وزارة الشؤون الإسلامية للدعاة على الوجه الخاص دون حصول الفرد على الموافقة، والواقع أن هذه طريقة جيدة لإصلاح الخطاب الديني وتقنينه وتوجيهه، ومن المفترض أن يوضع الجميع ممن يتحدثون في شأن العامة تحت الملاحظة والرقابة ثم تطبق هذه الخطوة بدراسة الحالة وضد من تظهر عليه سمة من سمات التطرف بعد الإنذار ومنح الفرص، حيث إنها وسيلة تدرب الفرد كيف يكون مسؤولا عن رأيه وتساعده على تصحيح أفكاره حينها، إضافة إلى أن المنع يعني الكبت وهو بدوره يؤدي إلى البحث عن منافذ أخرى قد لا تكون جيدة في حين أن المنع ليس حلا، حيث إنه يزيد من التصلب والتمسك بالآراء فيما إن كان الهدف هو الاستصلاح، فالحق أن التعددية الفكرية مع وضع الضوابط العامة التي لا تسمح لأحد بإقصاء غيره هي الوسيلة السليمة في تنظيم المجتمع، وهذا يكفل الحق في حرية التعبير للجميع مهما اختلفت الاتجاهات والآراء.

إن السلبية التي جعلت الحراك الثقافي والفكري يتآكل وأودت به إلى مزيد من الصراع كان سببها التعصب، فكل شخصية مؤثرة يتبع لها العديد من الآراء قليل منهم يعجبون بالعقلانية، وبين الفعل وردة الفعل أخذ الجميع في تملك أدواته وتمرير آرائه من خلالها حتى انفتح المجال للتطرف وأصبحت لغة الحوار مبنية على تجريد الآخر من الأخلاق والفضائل والإنسانية، بينما أخذت التحزبات في النيل من بعضها كاندفاع عاطفي عند كل قضية تخدم مصلحة أحد الأطراف تعبيرا عن الانتصار على الآخر.

هذه ليست حدودا عقلانية للأمم المتحضرة، فلا يمكن أن نبني معطيات لحضارتنا الإنسانية بين الأمم حين يكون التعصب في الرأي وتطبيق أجنداته منتهى الطموح والأمل، حيث القيام على معايير الانتصار والهزيمة والتنازع حول الرأي والوهم بحق الوصاية على العقل الجمعي.