تساهل الكثير من الناس في عدم إبراء ذممهم في تعاملاتهم المالية سواء كان تعاملهم مع أموال عامة أم مع حقوق خاصة فأصبح ذلك التساهل في التعامل مدار أحاديث المجتمع، فإن اؤتمن موظف ما على أموال عامة سعى جهده للاختلاس منها بشتّى الطرق، حتى تصل الأمور في بعض الأحيان إلى استلام مشاريع أو أجهزة تختلف عن الشروط والمواصفات المتفق عليها بهدف الحصول على كسب غير مشروع أو السعي لتنفيذ مشاريع فاشلة تتطلب الإزالة في وقت لاحق وإقامة مشاريع جديدة يكون من خلفها (الرجل المنشار) الذي يأكل وهو طالع ويأكل وهو نازل أو تكون وظيفته مؤثرة في مسار مشروع فيشتري عقارات خلف المسار لتصبح أملاكه على الشارع ليزيد سعرها أضعافاً مضاعفة، بل قد يحرّف مسار المشروع ليمر قرب عقاره حتى لو كان ذلك الانحراف مؤدياً للتقليل من الفوائد المرجوة من تنفيذ المشروع.

أما في مجال الحقوق الخاصة فإن المحاكم تعج بالقضايا والشكاوى التي يحاول فيها بعض الناس أكل أموال وحقوق بعضهم الآخر بالباطل، مع أن الله عز وجل قد حذّر من هذه الفئة من الناس في قوله عز وجل (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) والمقصود بالحكام في الآية هم القضاة، بل إن الذين يرتكبون هذه الجريمة والظلم يشعرون بالفخر والاعتزاز إذا ما استطاعوا بلحن القول الانتصار على خصومهم وهضم حقوقهم بالباطل، ليشار إليهم في المجتمع بالبنان وإنهم لا يُهزمون ولا يقدر عليهم حتى الشيطان اللعين!

ويشكو أصحاب بقالات وسوبر ماركت من زبائن يسرقون ما خفّ حمله وغلا ثمنه من بضائع حتى أصبحوا يركبون كاميرات مراقبة في كل زاوية، وقد يكون السارقون غير فقراء أو محتاجين ولكنها خساسة نفس وانحطاط قيم، بل إن التظالم والاحتيال لأكل الحقوق وصل إلى حد سعي أفراد من عائلة واحدة لأكل أموال بعضهم بعضاً، فيكون من نتائج ذلك تربية العداوات بين الأسر والعائلات وقطيعة الرحم.

وفي ظل التساهل في أكل أموال الناس بالباطل يرتفع الدعاء من قِبل بعض الذين لا يحللون حلالاً ولا يحرمون حراماً، فيكون الجواب في الحديث النبوي الشريف عن الرجل الذي يرفع كفيه بالدعاء ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنّى يُستجاب له؟!