في تنويه نشرته الهيئة العامة للإحصاء وفق نتائج المسح الديموغرافي لعام ٢٠١٦ يفيد ببلوغ عدد سكان منطقة الرياض وحدها ٨.٠٠٢.١٠٠ إنسان من بينهم ٤.٥٧٩.٥٧٠ سعوديا، ويعوز الأمر إلى ارتفاع معدلات الهجرة الداخلية والخارجية التي كانت سببا في التكتل بالمناطق الحضرية بوصف عام، بينما نجد أن البعض ينظر -حتى من المثقفين- إلى أن الزيادة السكانية تعد عبئا على الدولة.

حدثت العديد من التغيرات في المجتمع قياسا على ما يتعلق بالهيكل السكاني والحركة السكانية وارتفاع معدلات النمو والتي صاحبها الكثير من المشكلات الاجتماعية من حيث الكثافة والتخلخل والتوزيع، الأمر الذي أثر على التركيب النوعي والعمري في المجتمع، فقد ظهرت أبرز المشكلات فيما يسمى بـ«ترييف المدن»، حيث إن الحضرية ليست معيارا للتحضر دائما، مما ساهم في كثير من العوامل الثقافية التي صاحبت أساليب التحضر وكرست إشكاليتها في المكونات الثقافية، كمشكلات عمل المرأة والبطالة بتصنيفاتها، ذلك أنتج حالات من الصراع الثقافي تزداد في الحدة والتأزم يوما بعد يوم، وهنا يترتب على الدولة الأخذ بأسلوب التنمية الصناعية وتسييرها في حركة التصنيع المطرد، واستغلال نزوح السكان من الأرياف إلى المناطق الحضرية بالعمل على التنمية الثقافية وتطوير الطاقات البشرية للارتقاء بالتنمية الشاملة، إضافة إلى توجيه عملية الهجرة وضبطها وتنظيمها بالطريقة التي تساعد في تلافي المشكلات الناتجة عن سوء التنظيم والمشكلات الاقتصادية المتزايدة.

في مثل هذه الحالات لا بد وأن تؤدي الكثافة الديموغرافية إلى كثافة أخلاقية كما وصفها «أميل دور كيم»، وهي التي تكشف في النهاية عن المعيار الحقيقي لحضارة المجتمع من خلال قدرته على إدارة نفسه والنهوض بمستوياته على كافة الأصعدة، كذلك فإنها تحدد السبب الرئيسي للتقدم الاجتماعي الذي يرتبط بأساليب تقسيم العمل، حيث إن العلاقات الاجتماعية ترتبط ارتباطا شديدا بعدد المشاركين فيها؛ لأن «الحضارة تظهر ليس باعتبارها هدفا وإنما بوصفها مجالا يمارس من خلاله أفراد المجتمع وظائفهم الاجتماعية»، ومن ذلك سنجد أن الزيادة السكانية لا تشكل عبئا حتى ولو تزامنت مع بعض المظاهر المرضيّة للتوطين الصناعي، كالبطالة والجريمة والفساد ومشكلات الأحياء المزدحمة والأخرى التي تفتقد الخدمات، وهذا أمر طبيعي وناتج عن الانتقال إلى تنظيمات اجتماعية مختلفة فاقدة لأسباب التنمية، فالواجب أن يكون هناك تنظيم ناجح مصاحب للكثافة السكانية يربط بين البناء السكاني والاقتصادي، واستغلال موارد المجتمع ومعدلات التنمية الشاملة إذا تمكنا من ربط الحركة السكانية بالحركة الاقتصادية؛ لأن نمو الأعمال وتقسيمها يؤديان بالضرورة إلى تقدم حضاري واجتماعي واقتصادي.