عندما أشار المفكر الاقتصادي الاسكتلندي الذي يعمل أستاذا في جامعة براون الأمريكية مارك بليث في كتابه الشهير (التقشف) إلى خطورة السياسات التي تتبعها بعض الدول لمعالجة العجز في موازناتها، موضحا أنها تعتمد على الضغط على الفقراء دون التأثير على الأغنياء، لم تكن الإصلاحات الاقتصادية السعودية المتمثلة في برنامج التحول الوطني والبرامج المتفرعة منه وعلى رأسها برنامج التوازن المالي ولدت مسجلة نظرية اقتصادية حديثة يمكن تسميتها بـ(نظرية التقشف الذكي السعودية).

صدر الكتاب عام 2012 حينها كانت سياسات التقشف تعصف بالولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ خفضت

وكالة التصنيف (ستاندرد آند بورز) تصنيفها الائتماني من (AAA) في 5 أغسطس 2011م وانهار مؤشر داو جونز الصناعي 635 نقطة في يوم واحد هو 8 أغسطس 2011م وبعد ذلك بأقل من شهر ظهرت حركة سياسية معارضة في منهاتن باسم (احتلوا وول ستريت).

تلك الأحداث مع ما صاحبها من أزمات اقتصادية في أوروبا دعت بليث لاعتبار التقشف بشكله العام دون برامج إصلاحية موازية أمرا خطرا وغير مفيد داعيا الدول لطباعة عملاتها دون غطاء والاستمرار في الإنفاق حماية لمجتمعاتها كحل طارئ موقت لحين انقشاع الأزمة.

تذكرت كتاب بليث وأنا أتابع برامج الإصلاح الاقتصادي السعودي المعلنة تزامنا مع إعلان ميزانية المملكة لهذا العام، فمن الواضح أن التوجه الأبرز لها يجنح نحو دعم المواطن ذي الدخل المحدود ببرنامج حساب المواطن الذي يرفع فعليا عبء الإصلاحات عن كاهله وهي خطوة تكاد تكون فريدة من نوعها على مستوى العالم، ولذلك وصفت الأمر بـ(النظرية السعودية).

يورد بليث في كتابه، الذي أنصح من لم يطلع عليه بقراءته، تجارب عدة دول مع سياسات التقشف منذ مطلع القرن الماضي ويتطرق أيضا إلى ما صاحب تلك السياسات من آثار اقتصادية واجتماعية، وعلى رأس تلك الدول ألمانيا وفرنسا واليابان والدنمارك والسويد، والغريب أن جميع التجارب لم تلتفت إلى الجانب الاجتماعي أو تتخذ إجراءات لرفع عبء الإصلاح عن مواطنيها الفقراء كما تفعل السعودية اليوم لكنها بشكل عام تجاوزت الأزمات بصعوبة في النهاية.

من جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن الإصلاح الاقتصادي في السعودية دون الإشادة بأرقام الميزانية الحديثة، فقد حققت ما يكشف عن فاعلية الإجراءات الإصلاحية المتخذة خلال العام الماضي؛ إذ ‏جاء العجز بـمقدار 297 مليار ريال أي أقل بنحو 9%، عن المقدر له سابقا، وهذا إنجاز مهم ولافت.

كما تصل قيمة الإيرادات المتوقعة في 2017، إلى 692 مليار ريال بارتفاع 31% عن الإيرادات المحققة في 2016، ‏وهذا رقم لم يكن متخيلا فنسبة الزيادة تعني ثلث الرقم الكلي تقريبا!

تكشف أيضا الميزانية التقديرية لعام 2017 أن لا توجه لدى الحكومة لتخفيض الإنفاق، حيث من المقدر أن يصل إلى 890 مليار ريال؛ أي بزيادة بنسبة 6% عن الإنفاق في عام 2016 ما يعني استمرار النمو والمحافظة على السوق المحلية من الانكماش الذي كان متوقعا قبل كشف هذه الأرقام، وهذا هو الأهم.