الحديث عن الثورة في أي مجتمع يسلط الضوء على تفاصيل الزعزعة الكاملة التي تحدث على كافة الأصعدة في ذلك المجتمع، وخصوصا إذا كان ذلك بظرف ومقومات وطن عربي يؤثر فيه انهيار النظام السياسي على بقية الأنظمة بشكل بالغ في الحدة طبقا لتبعية تلك الأنظمة وشدة تماسكها ببعضها، والحديث يتعلق بالوضع المصري الراهن على الصعيد الإعلامي في قراءة مبسطة.

لا شك أن انقسام الرأي في الشارع المصري تبعا لما حدث على المستوى الاجتماعي وما منحته الحريات النسبية الناتجة عن التحول الديموقراطي قد حرر جرأة فئات متضادة من الجمهور الذي كان يعيش قهرا سياسيا وقمعا حقيقيا في ظل النظام السابق، وظهر ذلك بتصاعد الكثير من الأصوات إلى المقاعد الإعلامية سعيا في تجسيد رؤى الثورة ومتطلباتها، وسيلاحظ المتابع للإعلام المصري في طيلة الفترة الماضية بأن عوامل الاحتقان الاجتماعي التي ظهرت بفعل الحراك السياسي قد أثرت على حالة الإعلام تأثيرا بالغا وبطريقة تنفصل عن بقية الشعب ولا تعبر عن رأيه ولا تعكس حتى إحساسه، وبرغم حرج المرحلة التي كان من المفترض أن يكون الإعلام إحدى الأدوات الهامة المستخدمة في الإصلاح الاجتماعي والسياسي إلا أن البعض قد أخذوا مقاعدهم المؤثرة رغم قلة كفاءتهم سواء من خلال الإعلام التقليدي أو الجديد، وأصبح الإعلام كنظام اتصالي ومعرفي مساحة مخترقة لا تتوانى في استيعاب الضد والضد الآخر بطريقة لا تمت للموضوعية بصلة ولا للضوابط التي من المفترض أن يعمل عليها ويفرضها الجهاز الإعلامي.

إن الدول التي تتعرض لهذا النوع من التغييرات في الأبنية المختلفة تحتاج إلى المزيد من الوقت حتى تنضج ويفهم المجتمع ما تتطلبه تلك التحولات بطريقة تنعكس إيجابا على واقعه، غير أن المواطن العربي الذي سمحت له الظروف بحرية التعبير لا بد وأن يتعلم كيف يكون ناقدا موضوعيا ومسؤولا عند التعبير عن رأيه خاصة وإن كان مؤثرا من خلال منصات الإعلام.

التحول الديموقراطي في مصر لم يأخذ شكله الكامل حتى الآن، وبدلاً من إصدار القوانين القاضية بفرض الهيمنة الحكومية على الأداة الإعلامية ففي مثل حالة مصر الراهنة لا بد وأن يكون الإعلام مستقلا وليس تابعا مع وضع الضوابط المنظمة لسير الجهاز وتمكينه ليكون أداة إصلاحية مؤثرة في اتجاهات الرأي العام تتحمل مسؤوليات التوعية والتغيير للأفضل وحماية منجزات الديموقراطية والسعي في تطويرها، وكذلك المساهمة في تحقيق الوحدة الاجتماعية وتعزيز العلاقات في الداخل ومع الخارج.