رغم كل الظروف والتقلبات والعواصف التي مرت وتمر بها المنطقة العربية، استمرت علاقة المملكة بلبنان ذات طابع خاص وعميق وحميم، سمته الحرص على لبنان ووحدة مكوناته الجغرافية والبشرية، واستقرار فسيفسائه السياسية المتميزة، وحمايته من الاشتعال كضريبة مؤلمة لموقعه وأطيافه وتياراته. علاقة حكام المملكة وصناع القرار برموزه السياسية استمرت علاقة متميزة منذ استقلاله ومرورا بكل مراحله، حتى الآن. وحرص المملكة على انتشاله من أتون الحرب الأهلية سيظل علامة فارقة في علاقات الدولتين، وكان اتفاق الطائف تتويجاً لعمل مخلص دؤوب جنب لبنان دمارا كبيرا كان كفيلا أن

يودي به كدولة ومؤسسات وشعب.

خلال الفترة الماضية، ولأسباب معروفة شاب علاقة البلدين توتر كبير، أهمها التدخل الخارجي السافر في التركيبة السياسية اللبنانية، من قبل إيران تحديدا، وظروف الحرب السورية، والوضع الملتهب، والمماحكات التي خلقت فراغا كبيرا جعل البلد يستمر دون رئيس أكثر من عامين، لكن التسويات الحريصة على مستقبل لبنان والتي كان للمملكة دور كبير فيها أعادت لبنان كثيراً إلى وضعه الطبيعي، وكانت زيارة الوفد السعودي بعد تنصيب الرئيس ميشال عون لفتة لها معنى كبير يؤكد أن لبنان الموحد المستقر أهم من كل الاعتبارات الأخرى، وكان إعلان الرئيس عون أن أول زيارة خارجية له ستكون للمملكة تأكيداً صريحا على أهمية علاقات البلدين وتقديراً لمكانة المملكة وأدوارها التاريخية الأخوية إزاء لبنان.

وها هو الرئيس عون يصل الرياض تأكيداً لوعده بعودة كل شيء إلى وضعه الطبيعي في ظروف بالغة الحساسية، لا تحتمل مزيداً من التوتر في العلاقات بين بقية الدول العربية التي تقاوم مخططات بالغة الخطورة. لقد افتقدنا لبنان كثيراً خلال الفترة الماضية، وحزنّا على تصلب شرايين العلاقات معه مؤقتا، ونأمل أن تكون زيارة الرئيس عون كفيلة بإغلاق كل الملفات التي سببت توترا لا يليق بعلاقة تاريخية عريقة بين بلدين شقيقين تجمعهما أواصر يصعب على المخربين التأثير عليها.