اليوم توحد في داخلي مفهوم العيش والكتابة معاً لا شيء خارج محرقة العين إلا وأرغب في أن يتحول إلى حروف إليكم.. بالأمس سرنا ليلاً كرفقة في عتمة مطرزة بهلال ناحل اسمه القمر كان مضيئاً وقريباً كقطرة من الحليب قبل أن ننام تداولنا تذكارات جميلة عن أيام الدراسة والعمل وبعدها عطسنا من البرد وغفونا في منزلي على طعم أمس جميل.. لا أتذكر أنني رأيت مناما كل ما أتذكره أنني استيقظت مرات عديدة وكأنني أستعجل الصباح لأجد أن العتمة لا تزال سائدة وأن خشب السقف يطقطق بحنان يشبه البوح.. أخيرا أزحت ستارة النافذة بدت أمامي أشجار هذا البيت مغمسة بشقوق الضوء الممتد بكسل

أبيض على منحنيات الهضاب الرمادية كان كل واحد منا غارقا في عالمه الخاص.. هما لا يعرفان ماذا أفعل بالورق بين يدي وأنا يعجبني صمتهما الطيب فكلماتهما لا توحي لي سوى بدلالات روحية فتحت النافذة فتسرب الهواء البارد إلى عرى القلب.. أخذنا نعد أنفسنا للخروج لأصوات للأشياء هنا فحتى فرشاة الأسنان تروح وتجيء بخفر وحياء.. خرجنا ببرودة نائمة في الشارع شاهدنا قرويات على وجوههن ما زال طعم منام لم يكتمل بعد يسرن بجوار شلال يقاوم انخفاض درجة البرودة تتسلل مياه بصعوبة شديدة بين الأحجار التي يمثل كل حجر فيها حدقة عين خرجت الشمس خجولة بعد فترة من وراء الجبال بهيئة دافئة لم يكن أمامي لحظتها إلا الإحساس بالفارق الكبير بين دفء الشتاء وبرودة الوداع فيوم واحد هو ما تبقى لي لأفارق هذه القرية وأسرتي، من جديد التفكير في هذا الاتجاه بحد ذاته طزة في القلب تنمو كنباتات فطرية وتتكاثر وتختلط بالذكريات الجميلة، لا أستطيع إيقاف نمو هذا الشعور أو حتى الابتعاد بجسدي عنه، يظل هذا الشعور واقفا لي كلما قرب وحان وقت الرحيل مثل جبل جليدي انغمر تحت سطح البحر منذ ملايين السنين يرتفع من جديد عند أقل أهتزاز أرضي مفاجئ؛ هكذا خلقني الله في دمي وفاء للحظة الجميلة وفي عظامي عويل دائم للفرحة الشاردة وما من قوة في الأرض ترغمني على محبة من لا أحب وكراهية ما لا أكره، قضينا بعضا من النهار في مزرعة صديق لنا نتكئ على السور الخشبي للمزرعة ونسرق لحظات من هذا الصباح الجميل البارد نثرثر ونناقش تحت قوس من مشاعر الذكريات الغالية يساعدنا في ذلك النور الدفئ لنهار ما قبل الظهيرة، كان الحديث شيقاً كما هي العادة؛ فعقل كل منا يستيقظ تماما على رائحة القهوة وأغاني «ان ماري» التي تجمعنا وتفرقنا وتعبث بأشجاننا كيفما تشاء، لقد أحببت نفسي حتى عندما قهقه ابن زميلي على الطريقة التي أتكلم بها والتي لا تعبر عن اللكنة المحلية، كان الضوء الشتوي ينتشر على جدران البيوت القروية ويتمدد كالرسوم الصغيرة ويسرح بخيوطه ليظلل أوراق روحي كأنه صوت كمان يطل من شرفة أندلسية في شارع خاو في فيلم عتيق، ثمة نسمة دافئة منعشة هذا الصباح تحتضن الجميع ونتف غيوم رقيقة تزين السماء، كُنت سارحاً في كتابة وصية للزمان أن يشق طريقه نحو صدري ليختفي على هيئة زورق ويقيم هناك وأن يحتفظ لنفسه بكل هذه البجعات الرطبة على ضفاف الذاكرة لحظات قليلة اختفى بعدها نصف قرص الشمس وتسربت السكينة الباردة إلى الهواء وعاد للعين مرأى غبار الشتاء من جديد، على المقعد الجلدي في العربة التي تقلني للمطار تقوست على نفسي كنت أتأمل البيوت وهي تنير أضواءها المسائية.. نافذة.. اثنتان.. ثلاث.. وأتحسس النار بين الأشجار البعيدة وهي تشتعل لأعدو من جديد مع بقية خيول عباد الله الوحشية على صفحات الزمان باتجاه السنابل الصفراء!.