لعله لا شيء حير الناس كما حيرهم البحث عن أسباب السعادة ومعرفة العوامل التي تجلب الشعور بالغبطة والرضا وتبعث الإشراق إلى الوجه العبوس.

من صفة الحيرة أنها تولد كثرة الافتراضات، وتعدد الاحتمالات، لذا تداعت إلى أذهان الناس الاحتمالات التي يفترضون أنها تجلب السعادة لقلوب البشر، وكان من أقواها افتراض أن امتلاك أمور مادية مثل المال والجاه والقوة والصحة والجمال والمنصب وما إلى ذلك، عوامل تجلب السعادة وتطوق القلوب بسياج يحميها من الاكتئاب.

إلا أنهم ما لبثوا أن لاحظوا أن تلك الماديات لا تنجح دائما في جلب السعادة، وأن من يملكونها لم

يكونوا جميعهم محصنين ضد الاكتئاب والضيق، بل إن بينهم من يشكون من التعاسة ويتوقون إلى لقيا السعادة المفقودة. كما لاحظوا ما هو على نقيض ذلك، لاحظوا أن هناك أشخاصا دائمي الابتسام، وجوههم مشرقة بالرضا والطمأنينة، رغم أنهم لا يملكون من الماديات التي تنسب إليها السعادة سوى القليل.

ملاحظة الناس لعجز الماديات عن ضمان السعادة، جعلتهم يديرون رؤوسهم بعيدا عنها، بحثا عن احتمالات أخرى قد تكون هي التي تجلب السعادة. التفت الناس إلى المعنويات واعتقدوا أن الالتزام بها هو الذي يجلب السعادة، فقالوا إن القناعة والرضا بما كتب الله، وراحة الضمير، والتسامح، وملء القلب بحب الخير للناس وتطهيره من الانفعالات السوداء كالغيرة والحسد والحقد، كلها خصال متى التزم الإنسان بها كانت كافية لأن تجعله يتهادى على سحب من الإحساس اللذيذ بالسعادة.

إلا أن ذلك الافتراض هو أيضا لم يدم طويلا، إذ سرعان ما وجد الناس أنه حتى مع الالتزام بتلك الخصال النبيلة، فإنه يظل هناك بعضٌ من الناس لا يشعرون بالسعادة، سواء ملكوا الماديات أو المعنويات.

بقي الناس يتقلبون في حيرتهم قرونا طويلة، لا يدرون أين يجدون السعادة التي ينشدونها، أخيرا تدخل العلم ليقول كلمته الفصل في كل تلك التكهنات والظنون حول أسباب السعادة والعوامل المؤثرة فيها.

يقول بعض الباحثين إنهم وجدوا أن شعور الإنسان بالسعادة يرتبط بأسباب فسيولوجية نابعة من داخل جسده لا علاقة لها بما يحيط به من ظروف خارجية، وإنهم وجدوا عبر الأبحاث المختبرية، أن الأشخاص الذين لديهم نشاط مفرط في الجانب الأيسر من الدماغ أكثر من الجانب الأيمن، يكونون أكثر شعورا بالسعادة من غيرهم، ففرط النشاط في الجانب الأيسر من الدماغ يؤدي إلى إنتاج مستوى عال من الموجات الكهربائية الخاصة التي تحدث الشعور بالراحة والاسترخاء.

بقي على العلم أن يخبرنا كيف لنا أن ننشط الجانب الأيسر من أدمغتنا؟