للقاضي الذي رد دعوى المحامي عبد الرحمن اللاحم ضد داعية وصفه بمحامي الزنادقة واعتبر ذلك الوصف «ذما مقبولا» وجهة نظره التي برر به حكمه، ولمحكمة الاستئناف التي صادقت على ذلك الحكم حيثياتها التي عززت بها ذلك الحكم كذلك، كما أن للمحامي اللاحم وجهة نظره. كذلك في اعتبار ذلك الحكم «ينسف مهنة المحاماة المنظمة من ولي الأمر كما يرسي مبدأ قضائيا يقضي بجواز شتم المحامي ويرهب المحامين في ممارسة مهنتهم كأعوان للقضاة في إرساء العدالة»، والأمر بعد ذلك كله متروك للمحكمة العليا التي قرر المحامي اللاحم طعنه في الحكم أمامها.

ما يعنينا في هذه القضية هو ما تحدث به ذلك الداعية في دفاعه عن وصفه للاحم بأنه محامي الزنادقة وتأكيده على ((أن ما قام به مما أوجبه الدين عليه ويتقرب به إلى الله وهو المتعين شرعاً، حيث إن التشهير إذا كان على سبيل التحذير من الأشخاص المنحرفين عقدياً ولهم خطر على الأمة جائز شرعا، بل هو مستحب بل أوجبه بعض العلماء في بعض الأحوال، وأكد المدعى عليه أن التشهير بأصحاب المعاصي والبدع والعقائد الفاسدة له أصل شرعي وأقل الأحوال هي الجواز وقد يصل إلى الوجوب نصحا للأمة وعليه)).

هذا التبرير المتهالك الذي دافع به ذلك الداعية عن نفسه لا يفضي إلى نشر الفوضي وإثارة الفتنة والطعن في أعراض وذمم ومعتقدات الناس فحسب، ولا يرهب المحامين وحدهم كذلك، وإنما يطرح جملة من التساؤلات ينبغي التوقف عندها طويلا حماية للمجتمع من فوضى الاحتساب بالتشهير، من تلك التساؤلات:

هل يجوز التشهير دون حكم قضائي؟ ذلك أن القضاء لو أجاز لكل من شاء أن يشهر بمن يشاء لوقع فساد في المجتمع وحدثت فتنة لا يستطيع القضاء احتواءها، ولو جاز التشهير دون حكم قضائي لسقطت كثير من القضايا التي حكم فيها القضاء سواء كانت تلك القضايا من باب «الذم المقبول» أو «الذم غير المقبول» ولدفع كل من يتعرض لذمم الناس وأعراضهم عند مقاضاته عن نفسه بأن ما يقوم به «جائز شرعا إن لم يكن مستحبا أو واجبا» كما فعل ذلك الداعية في تشهيره باللاحم.

وما قاله ذلك الداعية يطرح تساؤلا هاما يتصل بمن يقدم على التشهير بدعوى الاحتساب، فمن هو المخول بالحكم على الناس بفساد المعتقد والانحراف العقلي؟ ومن له الحق في تحديد وتعيين وتسمية أصحاب المعاصي والبدع؟ وهل يجوز لكل من يرى أن الله لم يهدِ للحق رجلا سواه وأنه مؤهل للحكم على عقائد الآخرين ووصفهم بالفساد والمعصية والانحراف أن يشهر بمن يشاء كيف يشاء ومتى يشاء؟ مطمئنا إلى أن القضاء سوف يعتبر طعنه في المعتقدات ووصفه للناس بالانحراف والفساد «ذما مقبولا» إن لم يعتبره «ذما مشكورا»

وأخيرا فإن إجازة ما ذهب إليه ذلك الداعية من فتح باب التشهير احتسابا ونصحا لا يهدد مهنة المحاماة فحسب، بل يفتح بابا لشر مستطير ينذر بفتنة لا يعلم إلا الله مداها يكون وقودها «دعاة محتسبون» ويكون حطبها المجتمع كله.