حين يجري الحديث عن هزال ما لدينا من نتاج ثقافي وأدبي، يبادر بعض من الناس إلى تبرير ذلك بانشغال الكتاب والأدباء بأعمال أخرى لطلب الرزق، تسرق وقتهم وجهدهم فما تبقي لهم طاقة أو فراغا لشيء آخر. وهذا التبرير الذي يسوقه بعض الناس يدفعهم إلى المطالبة بتفريغ حملة الأقلام من أعمالهم التي يمتهنونها لطلب الرزق وصرف مرتبات لهم مقابل تفرغهم للعمل الثقافي والأدبي.

ولكن هل تفريغ الكتاب والأدباء للنتاج الأدبي والثقافي، يضمن جودة النتاج الذي سيظهر على أيديهم؟ التفرغ للكتابة قد يكون عونا على كثرة الإنتاج، لكنه لا يكفل جودته.

في عصر المماليك في

مصر (648- 923هـ) كان يطلق على العلماء من حملة الأقلام صفة (المنعمين) لأنهم كانوا غير ملزمين بالعمل من أجل طلب الرزق، وكانت تصرف لهم مرتبات تكفي حاجتهم من الأوقاف المخصصة للإنفاق على العلماء وطلبة العلم كالمدارس والخوانق والأربطة، التي كان يوقفها المحسنون على طلبة العلم.

أي أن العلماء من أصحاب القلم، كانوا آنذاك مفرغين لطلب العلم والنتاج المعرفي ولم يكن يشغلهم عمل غيره لطلب الرزق، فماذا حدث؟ ازدهر التأليف ونشطت الحركة العلمية حقا، ولكنه كان نشاطا مقتصرا على الكثرة، أما الجودة ففيها نظر!

فقد كانت معظم المؤلفات آنذاك لا تخرج عن مختصرات للمؤلفات السابقة، أو شروح لها أو تهميشات عليها، كان القليل منها يحتوي إبداعا جديدا أو إضافة قيمة، فضلا عما ذاع وانتشر بين أولئك المتفرغين من عبث أدبي، حيث اتجهوا إلى الإغراق في الصناعة اللفظية والتباهي بتنميق الألفاظ والتلاعب فيها، مما يدخل في باب الطرافة واللهو ولا يضيف إلى المعرفة أو الفكر شيئا.

وخلاصة القول إن ما نشكو منه من هزال في النتاج الثقافي والفكري، لا يرتبط بعدم توفر الوقت، قدر ما أنه مرتبط بعوامل أخرى كالموهبة الفطرية، والجد في العمل، والحرص على الإتقان. المبدعون الحقيقيون، مهما ضاقت بهم أوقاتهم، لا يعجزون عن اختلاق الوقت لممارسة ما يحبون.