ذات يوم قال وزير خارجية عُمان السيد يوسف بن علوي بن عبدالله، إن عُمان تنظر للعالم من خلال المحيط الهندي، هي بلا شك رؤية العمانيين لأنفسهم، وكيف يريدون للعالم أن يراهم، نظرة تمتد في أعماق التاريخ، حين كانت مسقط عاصمة الإمبراطورية العمانية، الممتدة من بحيرات أفريقا الوسطى غربا وحتى مشارف شبه القارة الهندية شرقا، لقد كانت تسيطر بالفعل على بحيرة مائية عظمى تقع بين الجزيرة العربية وأفريقا والهند، وبيدها أسطول عظيم، كان الأكبر في حجمه وقدراته في المحيط الهندي.

«علوي» كان يقول ذلك مبررا استدارات عُمان المتتالية في السياسة والاستراتيجيا، ورغبة منه في فهم تركيبة عمان الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، التي بناها البحر والمحيط والسفن العابرة، وهي تنتقل محملة بالبشر والتجارة، من ساحل أفريقا الشرقي للعالم والعكس.

اليوم يستدير العالم كله باتجاه الشرق، كما تقول حكمة الاقتصاد الجديد، ولذلك فإن الخليج العربي سيكون هو جسر التجارة وطريق الحرير الجديد، القادم من طوكيو مرورا بالصين وفيتنام وماليزيا والهند، ثم الجزيرة العربية ومصر الأفريقية، وأخيرا باتجاه أوروبا والأمريكيتين في أقصى غرب العالم.

الجهود السعودية التي دعت عُمان للنظر للعالم بعيون خليجية، يجب أن يبنى عليها مستقبل الخليج العربي، خلال السنوات العشر القادمة، فلا يمكن أن تذهب للشرق الأقصى، دون أن تمر على مسقط، وهذا بالذات ما سيجعل من «السلطنة»، بوابة المحيط وما وراءه من اقتصاد وتجارة، وبالتأكيد مصالح سياسية لا يمكن القفز عليها خليجيا.

السعودية اليوم، وهي تبني مستقبلها الاقتصادي، وتضع رؤيتها وبرامجها للتحول والتوازن، تبني قواعد اقتصادية حيوية في فضائها الممتد، وستكون تلك القواعد هي ركائز المستقبل، من إثيوبيا وجيبوتي، ثم نزولا للمالديف وجزر القمر، وانتهاء بدول النمور الآسيوية.

وكما عمان وهي في الطرف الجنوبي الشرقي للجزيرة العربية، تأتي لبنان في الطرف الشمالي الغربي، وكأنهما في خط واحد يبدأ من جبال مسقط الخضراء، وينتهي على صخرة الروشة المطلة على البحر الأبيض المتوسط، بيروت هي كذلك تنظر للعالم بعيون أوروبية، وهذه ميزتها ورأس مالها، التي لو فقدتها لتاهت وما عادت سويسرا الشرق كما عرفت به ذات يوم.

لذلك لا يمكن لبيروت أن ترى العالم العربي بعيون فارسية، بل إن مصلحتها أن تكون عيونها خضراء، ولسانها عربياً، وشعرها أشقر، لكن قلبها «أسمر» بسمرة محيطها وجذورها.

بيروت بصبغتها وثقافتها الفرنكوفونية الفريدة، كانت إطلالة العرب نحو العالم المتحضر، وقطعة من أوروبا في هذا الشرق «القديم»، ثقافة وموسيقى وعمرانا ونمط حياة، وخلال العقود الأربعة الماضية كادت أن تفقد هويتها، لصالح وجوه لا تعرفها، أنبتت في أرضها أشجار الشوك «الفارسي»، بدلا من الأرز والصنوبر.

الرياض وهي تبني جسور السياسة، في أعقاب زلزال «الخريف العربي»، ترى أنها أم العرب، وبوابتهم الشرقية، وملاذهم إذا عصفت بهم الريح، وكعادة الرياض، فهي تقدم الحكمة، والحلم على الغضب، وإذا أشاحت بعينها يوما، فهي عين المحب الذي يرفق في الملمات.