أتذكر عند التخرج أن أحد زملائي المتفوقين ذهب لأول مقابلة شخصية وكان متحمسا للغاية. وخلال المقابلة كان الجو مريحا ومهنيا في نفس الوقت. وطلب فريق المقابلة منه أن يقوم بدور «حليف الشيطان». والمقصود أن يقوم بالنقد اللاذع بدون أي قيود لبعض من سياسات الشركة. ونظرا لأن زميلي كان متحمسا للغاية فقد «عاش الدور» ونسف سياسة الشركة في بعض منتجاتها الجديدة وأسعارها. وفوجئ بأن طاقم المقابلة أوقف المقابلة وطلب منه مغادرة المبنى. وحسب صاحبنا أن الموضوع ضمن السيناريو المطروح إلا أنه عندما نظر في وجوههم، ووجد ما يدل على استعدادهم لطلب قوات أمن الشركة فكان درسا

قاسيا. ولن أنسى هذه القصة لأنها تتجسد في العديد من المواقف التي تتطلب تقمص دور «حليف الشيطان» بدون تقبل النقد. وموضوع «الحليف» المذكور له أبعاده التاريخية الطريفة فقد بدأ في الكنيسة الكاثوليكية. وكانت الممارسة التي دامت لحوالى ألف سنة في أوروبا أن تمنح القداسة لشخص ما بعد ترشيحه والتأييد الشعبي له من داخل المؤسسة الدينية الأوروبية وخارجها. وفي عام 1234 قام البابا جريجوري التاسع بطرح نظام جديد أطلق عليه اسم ادفوكاتوس ديابولي Advocatus Diaboli ومعناها «حليف الشيطان» بحجة أن الشيطان لا يريد أن يصبح أحد قديسا مهما كانت حسناته. وبالمناسبة هذا البابا هو الزعيم الديني الذي بدأ محاكم التفتيش للكشف عن الكفار باستخدام أساليب التعذيب المخيفة. وأما بالنسبة للحليف، فكان الأسلوب الجديد للحليف أن يشكك في كل معلومة، وأن يضع العراقيل الفكرية، والنفسية، والمادية، والمعنوية ضد المرشح للقداسة.

واليوم نرى أن هناك نظريات في الإدارة تتبنى هذا الاتجاه بتكوين ما يسمى «بالفريق الأحمر» وهو فريق العدو الذي يتبنى وجهة نظر حليف الشيطان. وهذا التفكير مأخوذ أساسا من المجال العسكري حيث تجد أن «الفريق الأزرق» هو الصديق و«الفريق الأحمر» هو العدو. والفلسفة هنا هي أن لو لم يفكر أحد كما يفكر العدو فكيف سيكون الاستعداد الصحيح؟ ولكن بصراحة لابد من وقفة جادة للتأمل في الاستعداد لهذا الاتجاه الفكري الخطير لكي لا يفاجأ كما حصل لزميلي المسكين المطرود المذكور أعلاه. وبصراحة في الشرق الأوسط لن يفلح هذا الاتجاه بالكامل لسببين أساسيين وهما كالتالي: أولا من سيقول لرئيسه في العمل أن «...تفكير سعادتكم تعيس جدا»؟ فالغالب أن هذه ستكون آخر كلماته في الجهاز الذي يعمل به مهما حاول أن يغلف الفكرة ليخفف وطأة النقد. وأما السبب الثاني فهو أن لا حاجة لحلفاء الشيطان في بعض مجتمعاتنا لأن الشياطين أنفسهم حاضرون. كم من الشر تحتاج لتكوين شخصية شيطانية مثل بشار الأسد الذي يقتل الأبرياء ويدمر العمران؟ وكم من الجهل والحقد تحتاج لتكوين الحوثيين الذين يعيشون على التخريب والهدم؟ وكم تحتاج من الجهل والحقد لتكوين داعش؟

أمنيـــــــــة:

أعتقد أن من الصعب أن نتخيل أن تكون هناك شيطنة أكثر شرا ودمارا من الوضع المأساوي الذي نشهده اليوم في المنطقة. أتمنى أن يأخذ الشيطان إجازة من عالمنا لأن الوضع الحالي سيسجل ضد تاريخ المنطقة بأكملها. وقد لا نستطيع أن نواجه أبناءنا وأحفادنا بحقائق هذه الفضائح اللاإنسانية. والله يستر علينا جميعا وهو من وراء القصد.