بدأ مع اليوم الأول من يناير الحالي تطبيق الاتفاق التاريخي الذي أبرمته منظمة الأوبك وبعض منتجي النفط من خارجها نهاية العام الماضي 2016، والذي يؤدي إلى سحب نحو مليون وثمانمائة ألف برميل يوميا من أسواق النفط. وهي محاولة للقضاء تدريجيا على الفائض الذي أغرق الأسواق خلال الأعوام القليلة الماضية، وتسبب في تدهور أسعار النفط بنسب كبيرة تجاوزت الـ 60% مقارنة بأسعار ما قبل يونيو 2014.

ورغم استمرار تحسن الأسعار الأسبوع الماضي، امتدادا للتفاؤل الذي بدأ منذ اتفاق أوبك نهاية العام الماضي، إلا أن موجة من التقلبات السعرية بين صعود وهبوط بدأت تميز هذا الأسبوع الثاني من الاتفاق.

وبدأت مجموعة من العوامل تغذي هذه التقلبات السعرية ومنها الشائعات المتعلقة بعدم الجدية في التزام كل من العراق وإيران وأيضا روسيا بما تم الاتفاق عليه من خفض للإنتاج، إضافة إلى الانضباط التام الذي بدت عليه كل من السعودية والإمارات والكويت. كما أن ارتفاع الدولار، وزيادة إنتاج الولايات المتحدة من النفط قد ساهما في زيادة حدة هذه التقلبات. وستلازمنا هذه العوامل جميعها في الأشهر القادمة من هذا العام إلا أن وجود مستوى مرتفع من الالتزام بالاتفاق، تقرره تباعا لجنة الانضباط برئاسة الكويت، يخفف من هذه التقلبات كونها جانبا رئيسا من أساسيات السوق.

عوامل نجاح اتفاق المنتجين

أما لو أردنا تلخيص عوامل نجاح الاتفاق وبالتالي فرص بقاء مستويات أسعار النفط فوق الخمسين دولارا للبرميل، نجد أنها تتمثل في تحقق التالي:

أولا: إن استقرار الأسعار فوق 50$ مرهون بالمراقبة الجدية للالتزام بين منتجي النفط، ونرى أن لجنة مراقبة الالتزام التي ترأسها الكويت ستجتمع في يناير الحالي لوضع الأسس والقواعد التي تتأكد بموجبها من التزام جميع المنتجين الذين تعهدوا بتخفيض أو تجميد الإنتاج النفطي.

فلم يتصور أحد بأن ينضم هذا العدد الكبير من المنتجين من داخل وخارج الأوبك إلى هذا الاتفاق التاريخي، وحتى الدول الهامشية في إنتاجها النفطي قد شاركت ولو رمزيا في التخفيض، مما أعطى دفعا معنويا ومزيدا من الثقة للأسواق.

ورغم أنها ليست المرة الأولى التي يتعاون فيها المنتجون من خارج أوبك، إلا أن عام 2001 كان المرة الأخيرة لمثل هذا التعاون ولم يزد عدد الدول المتعاونة وقتها مع الأوبك عن ثلاث دول، وكان تعاونا رمزيا لم يقدم وقتها أو يؤخر، بل إن دولة منها -دون ذكر اسمها- أوضحت أنها ستخفض «من الإنتاج المخطط زيادته بـ 5%»، 5% OF THE PLANNED PRODUCTION INCREASE وترك بصورة مبهمة.

ثانيا: أن تكون هنالك شفافية مطلقة في أعمال لجنة التزام المنتجين، حتى يتم استبعاد الشائعات ومجموعات المشككين من أن يفجروا الاتفاق بطريقة تخدم مصالحهم. وجدية اللجنة برئاسة دولة الكويت الشقيقة لا بد وأن تشير بوضوح إلى غير الملتزم باتفاق أوبك ليعرف الجميع بذلك ويعرفون نتائج أية خروقات للاتفاق بأنه سينتج عنه «دائرة مفرغة» من تهاون تدريجي من قبل المنتجين الآخرين، وربما تعطيل العمل بالاتفاق بالكامل، مما يدفع إلى حرب سعرية لكسب مزيد من حصص الأسواق ولا يعلم مداها إلا الله، وتنهار الأسعار تدريجيا.

ثالثا: أن تتم مراجعة الأوبك الدورية للاتفاق، ومدى ملاءمته وتأثيره في امتصاص الفائض النفطي من الأسواق، ومدى الحاجة إلى إعادة النظر في مقدار التخفيض في الإنتاج النفطي زيادة أو تخفيضا. وأيضا متابعة إنتاج كل من ليبيا ونيجيريا وأيضا إيران لإدراجهم في الاتفاق متى ما وصلوا إلى مستويات إنتاجهم لما قبل العقوبات بالنسبة لإيران وما قبل الاضطرابات بالنسبة لنيجيريا وليبيا.

رابعا: إن أية مصلحة سياسية لإحدى الدول الموقعة على الاتفاق لا يجب أن تتغلب على المصلحة الاقتصادية، وأعتقد أن جميع المنتجين قد أدركوا ذلك نظرا لحاجتهم الشديدة لمزيد من العوائد النفطية للاستمرار في نمو اقتصاداتهم، والتخفيف من عجز ميزانياتهم والتخفيف من التقشف الكبير الذي هم عليه في العامين الماضيين وهي فترة انهيار أسعار النفط.

والتخوف الحالي والمتوقع من عدم الالتزام هو كما ذكرنا من ثلاث دول بالتحديد في عدم الالتزام هي: إيران والعراق وربما روسيا. وما يزعجنا بالنسبة لروسيا هو إعلانها أنها ستصل إلى كامل التخفيض الذي التزمت به وهو 300 ألف برميل يوميا بنهاية مايو القادم 2017، أي بعد التطبيق الفعلي المستحق بـ 5 أشهر، وإن كانت حكومة الرئيس بوتين تحاول تسريع التخفيض بأن شكلت لجنة لمتابعة هذا التسريع بحجة أن شركاتها النفطية هي شركات خاصة، وليست تحت سيرة الحكومة وهو ليس بعذر في اعتقادي.

أما إيران والعراق فقد تعودنا منهما - تاريخيا - عدم الالتزام في إطار اتفاقات منظمة الأوبك، تحت طائل من المبررات غير المقبولة. وقد بدأ التمهيد لذلك. فالعراق - على سبيل المثال - قد ذكرت هذا الأسبوع بأن إقليم كردستان قد يزيد من إنتاجه ولا يلتزم بالاتفاق. أما طرح إيران لكميات كبيرة من مخزونها العائم الأسبوع الماضي فإنها علامة إنذار مبكر لعدم الالتزام.

ربما يختلف الوضع حاليا عما كان عليه سابقا من حيث مراقبة الالتزام، بوجود لجنة مراقبة وأيضا سهولة معرفة غير الملتزمين من خلال التقدم الكبير في وسائل الاتصالات وتتبع شحنات التصدير من نقطة البداية إلى التسليم، وفوق كل هذا اليقين بأنه ونظرا للحاجة الماسة لمزيد من العوائد المالية والحساسية السياسية المفرطة تجاه هاتين الدولتين على وجه الخصوص يحتم عليهما وغيرهما الالتزام التام.

أسعار النفط خلال العام الحالي 2017 والنفط الصخري

يمثل النفط الصخري التحدي الأكبر الذي يواجه اتفاق خفض المنتجين إنتاجهم، فهو المنتج المرجح (SWING PRODUCER) للفترة القادمة. ووجدنا منذ صيف العام الماضي وبعده زيادة في عدد المنصات النفطية في الولايات المتحدة، وأيضا زيادة في إنتاج النفط الصخري، بأكثر من 300 ألف برميل، وهنالك تقارير بأنه لو استقرت أسعار العام الحالي بين 50-60$ للبرميل، فإن هنالك زيادة متوقعة في إنتاج النفط الصخري في حدود المليون برميل يوميا، وهو ما يوضح لنا الإصرار والجدية من قبل هؤلاء المنتجين نحو الاستمرار في تخفيض تكاليف إنتاجهم، والإصرار على التفوق التقني لتحقيق كفاءة إنتاجية أكبر وهو ما كانت تستبعده دول الأوبك في الفترة الماضية. أضف إلى كل ذلك، أن فترة رئاسة دونالد ترمب ستشهد المزيد من التشجيع لهذه الصناعة رغبة في تسريع تحقيق استقلالية أمريكا في مجال النفط.

هذه الزيادة المتوقعة في إنتاج الصخري تقلل كثيرا من تأثير اتفاق أوبك لخفض الإنتاج، وتساهم في عدم ارتفاع أسعار النفط عن معدلاتها الحالية بكثير. وتكون في المتوسط في حدود 55$ للبرميل. وحتى لو تجاوزت الـ 60$ للبرميل لفترات قصيرة، فإنها ما تلبث أن تعود إلى أقل من ذلك.

تتضح توقعات مختلف المحللين الدوليين وصناديق التحوط، وهي وإن اختلفت فيما بينها إلا أنها تتركز حول الـ 55-60$ للبرميل. وأعتقد أن هذا هو المتوسط السعري المتوقع لكامل العام القادم شرط جدية الالتزام بتنفيذ اتفاق أوبك والمنتجين من خارجها.