أروى المهنا (الرياض)

يتماهى الشاعر مع حالة الفقد مثلما يتماهى المحارب في لحظة مصيرية مرعبة وحادة، تفضي إلى مخيلته مشاهد قاتلة وخاطفة وبسرعة قياسية هي اللعنة الأبدية التي يعيشها الشعراء تماما كاللحظة الدموية التي يعيشها المحارب في أرض المعركة.

الجُهد الذي يتبناه الشعراء عندما يحين الفقد لا يمكن قياسه بقصيدة واحدة وإن كان الشاعر الكبير نزار قباني فعلها في «بلقيس» عندما قال «بلقيسُ.. يا وَجَعِي.. ويا وَجَعَ القصيدةِ حين تلمَسُهَا الأناملْ.. لا تتغيَّبِي عنّي فإنَّ الشمسَ بعدكِ لا تُضيءُ على السواحِلْ» إنه الراحل والمرتحل في غياهب الرحيل الذي طال قلبه عازفاً أنينه الطويل الشجي والخطير حد الأذية، تعتبر قصيدة بلقيس من أعظم المرثيات التي نعى نزار قبّاني فيها زوجته العراقيّة عندما قتلت في قصف للسفارة العراقية في بيروت سنة 1981. التجربة الإنسانية التي عايشها محمود درويش هي حالة مكتنزة بحد ذاتها بوجع الفقد تارة للوطن وتارة للحبيبة «لا تتركينى خلف السياج كعشبة برية، كيمامة مهجورة لا تتركينى قمراً تعيسا كوكبا متسولا بين الغصون لا تتركيني حرا بحزني واحبسيني بيد تصبّ الشمس» يفضي درويش في شجن قصائده إلى مواقف حادة أشبه بالاحتضار البطيء والانتظار دون جدوى. تغنت الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان بالفقد إلى حد الاستجداء كما قالت في قصيدة «إلى صورة» رحمة يا شاعري.. وانظر إلى أصداء روحي.. إنها في شعريَ الباكي استغاثات ذبيح!.. إنها يا شاعري أنات مظلوم طريدِ.. إنها غصّات مخنوقٍ بأطواق الحديدِ يكتب الشاعر فقده تحت سماء ثامنة يعرفها جيدا متجاوزا جبهة الأسئلة الإشكالية بمدى وعي هذا الحزن الذي يطاله معتكفا في قلب ورقته ومختزلا من نفسه قصيدة.