-A +A
عزيزة المانع
من الأمثال المتداولة عند العرب قولهم: (إذا ضربت، فأوجع، وإذا زجرت، فأسمع). وهو مثل موغل في التطرف يكشف عن ثقافة العرب الميالة إلى المبالغة والابتعاد عن الاعتدال في معظم أشكال السلوك.

من يقرأ في التراث العربي، يعجب لهذا الميل المفرط لدى العرب نحو المغالاة في معظم الأحيان، فهم إن أحبوا أمعنوا، وإن أثنوا أسرفوا، وإن هجوا أقذعوا، وإن سخروا فحشوا، أما إن غضبوا فذلك الجنون بعينه!


لهذا لا يبدو غريبا أن ورث أحفادهم عنهم تلك الخصلة القبيحة، فصار التطرف السمة الملازمة لهم في كل شيء، في انفعالاتهم وأفكارهم وتعبيراتهم وإنفاقهم، فهم في كل شيء لا بد لهم من بلوغ أقصاه.

عيب التطرف أنه يعمي البصيرة، فيفقد المتطرف قدرته على الحكم السليم على تصرفاته وعلى الأشياء من حوله. وكم من الناس اندفعوا وراء انفعالاتهم المتطرفة فغررت بهم وتركتهم يسقطون في بئر مظلمة من الزلل، حتى إذا ما تخلت عنهم أدركوا سواد ما وقعوا فيه، فأخذ ينهش قلوبهم الأسف والندم.

وعيبه الآخر الأكبر، أن المتطرف لا يدري أنه متطرف، ولا يرى أنه تجاوز قدر الاعتدال فيما يفعل أو يقول، فالمتطرف في سوء ظنه مثلا، لا يرى تطرفه ويعتقد جازما أنما يظنه من سوء هو حقيقة واقعة، والمتطرف في إعابته لما يفعله غيره أو يعتنقه من فكر أو يؤمن به من رأي، لا يدرك ذلك، لأنه يرى موقفه هذا حقا وصوابا.

أما أسوأ ما في التطرف، فأن يظنه الناس خصلة فطرية يولد بها بعضهم، وأنه لا يمكن التخلص منه لأنه من مكونات الجينات الموجودة في دمائهم، فيستسلمون لتطرفهم يائسين من إمكانية التخلي عنه، وقد يبررون له بحجة (العصبية)، أو فرط العاطفة أو غير ذلك.

لكن التطرف في حقيقته ليس سوى نمط من أنماط السلوك الكثيرة، التي يمكن للإنسان أن يتحكم فيها وأن يعدلها للنمط الذي يختاره، بدليل أن أولئك الذين يتطرفون في غضبهم مع من هم أدنى منهم في المكانة أو من يماثلونهم فيها، لا يفعلون ذلك متى غضبوا ممن هو أعلى مكانة منهم أو له شيء من السلطة عليهم.

هذه القدرة على ضبط السلوك المتطرف مع من هم أعلى مكانة، هو دليل ناصع على أن التطرف ليس غريزيا وليس جينيا، وإنما هي حالة سلوكية يمكن التحكم فيها بقليل من التدريب والتعود.

لقد حث الله سبحانه عباده على التخلي عن التطرف في انفعالاتهم وامتدح القادرين على التحكم فيها وعد فعلهم من دلالات الإحسان فقال: {والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين}.