قبل أيام، اشترت صديقة لي حذاء جديدا، وعندما فتحت علبة الحذاء وجدت فيها ورقة. فتحت الورقة وإذا بها تقرأ السطور التالية بالإنجليزية، وسوف أترجمها للعربية:

«لضمان شرعية وجودة منتوجاتنا، شملنا هذا الزوج من الأحذية في مشروع يسمح لنا بالتأكد من ضمان أصليته وجودته.

NFC (Near Field Communication) ولأجل تحديد منشأ هذا المنتج، تم إدخال بطاقة في نعل هذا الحذاء، وهي بطاقة سلبية للتواصل القريب المدى. لا تحتوي هذه البطاقة على بيانات شخصية ولا يمكن الكشف عنها عن بعد». تخيلوا المفاجأة ذات العيار الثقيل هذه!

وقبل أيام، حدث لي أنا شخصياً موقف آخر، فقد اشتريت علبة من فواكه البلوبيري من سوبر ماركت شهير في جدة، وكان على هذه الفواكه عرض خاص، وبما أنني اشتريت الكثير من الأغراض في ذلك اليوم فقد دفعت المبلغ الإجمالي ولم أدقق في الفاتورة إلا بعدها، لأكتشف بأن علبة البلوبيري الوحيدة التي اشتريتها قد تم احتسابها 6 مرات!

عدت اليوم التالي إلى السوبرماركت اصطحب فاتورتي وخيبة أملي لوقتي الضائع والنقاش الذي سأخوضه بسبب هذه الغلطة التي لم أتسبب بها ولكن الموظف اختصر عليّ المجهود، وأخبرني بأنهم سوف يعودون للكاميرات ويشاهدون مقطع المشتريات وعملية الدفع ثم يردون عليّ. أخذت أتجول في السوبرماركت لفترة - ظهر لي بعدها الموظف السابق وفي يده المبلغ المالي الزائد الذي دفعته واعتذر وغادر.

وعلى قدر سعادتي وقتها بوجود كاميرات المراقبة التي اختصرت علي الكثير من الوقت والمجهود لإقناع السوبرماركت بأنني على حق، وعلى قدر أهمية وجود كاميرات وأساليب المراقبة في حياتنا للحفاظ على الأمن ومنع الجريمة وتعقب المجرمين، إلا أنني رحلت وأنا أفكر كيف أننا أصبحنا نعيش في فقاعة شفافة تحيطنا الكاميرات والأعين من كل مكان. ورغم وجود مميزات كثيرة لهذا الوضع إلا أن له عيوب أخرى.

فالإنسان الحديث لا يمكن إلا أن يشعر بنوع من اختراق الخصوصية أحيانا حينما يشعر بأنه مراقب من كل مكان.

فحينما حكيت موقف السوبرماركت لإحدى صديقاتي صرخت فزعة: «ياللهول! إنني أشتري من هذه السوبرماركت، هل يصورونني كل مرة؟ دعيني أستوعب صدمتي! هل يرون كل شيء؟ يجب أن أحرص على وضع حجابي جيدا ويجب أن أتجنب الصراخ على أولادي في منطقة الحلويات فأنا مراقبة!».

ورغم أن مخاوف صديقتي هذه تعتبر بسيطة بالنسبة لميزة حفظ الأمن والحقوق ومنع الجريمة، إلا أنني أفهم موقفها.

وأما صديقتي الأخرى التي اشترت الحذاء «الملغوم بشرائح المراقبة» فأنا في الحقيقة وجدت قصتها أكثر رعباً! فهي لم تكن تعلم وقت شرائه بأنه يحمل هذه الشرائح، وإلا لما كانت اشترته كما أكدت.

والواضح أن هدف الشركة المصنعة للحذاء هو حماية منتجاتها والكشف عن المنتجات المقلدة، فكما نعرف فإن خسائر الماركات الشهيرة والباهظة الثمن تقدر بالملايين بسبب صناعة «الكونترفيت» أو «الريبليكا» أو المنتجات المقلدة. ولكن أن تضع الشركة شرائح في حذاء المستهلك الذي اشترى المنتج دون إخباره مسبقاً، ليكتشف بعد الشراء هذه المعلومة فهذا شيء أيضاً غير مقبول. فأي نوع من الترددات يمكن أن تصدره هذه البطاقات أو الشرائح: ترددات كهربائية أو مغناطيسية أو إلكترونية أو فوق بنفسجية أو تحت حمراء أو ماذا؟ ربما أكون مبالغة في وصفي هذا ولكنني لم أبالغ في رعبي، فهل هناك دراسة علمية وافية عن أضرار انتعال حذاء يحتوي على هذه الشرائح؟ ولم علي كمستهلك أن أتعرض لمثل هذه الترددات فقط لحماية مصالح الشركة وأموالها واللوغو الشهير الخاص بها؟.

وماذا بعد، ماذا ننتظر من التكنولوجيا الحديثة بعد أن اخترقت وسائل التواصل الاجتماعي خصوصياتنا واقتحمت عيون الغرباء والفضوليين أدق تفاصيل حياتنا؟ ووصلوا الآن إلى نعل حذائنا فدخلوا فيه مختبئين ومترصدين!