لم يكن الثلاثاء الماضي يوماً اعتيادياً وروتينياً في العديد من مدن المملكة، رغم أننا كنا وسط الأسبوع وهو يوم عمل ودراسة ولم يتزامن مع أي إجازة رسمية، إلا أن الشوارع كانت مزدحمة بما فاق المعتاد، وأكبر المطاعم كانت ممتلئة، وكذلك الفنادق الكبرى، خاصة فئة الخمس نجوم، في عدة مدن، وأسعارها كانت مرتفعة لتزايد الطلب عليها، أما محلات الورود والهدايا فقد شهدت حركة بيع غير مسبوقة في ذلك اليوم بالتحديد، لقد كان واضحاً للعيان أن كل ما جرى في ذلك اليوم كان بسبب رغبة شريحة مجتمعية كبيرة بالاحتفال بمناسبة عيد الحب الذي يحتفل به كثير من الناس حول العالم يوم 14 فبراير أو عيد «الفالنتين» أو عيد «القديس فالنتاين»، تلك المناسبة التي يقال إنها مناسبة وثنية نصرانية لا يجوز الاحتفال بها، ومع ذلك لم تجد كل وسائل المنع والتحريم في صد الكثيرين عن رغباتهم في الاحتفال بما ينظرون إليه من جانبهم بأنه يوم للرومانسية وليلة للاحتفال بذكرى الارتباط العاطفي بين الأزواج وليلة العمر وما إلى ذلك.

لقد اعتدنا في يوم 14 فبراير من كل عام أن نشاهد حالة الاستنفار لدى جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمراقبة محلات بيع الورود والهدايا لمنعها من بيع الورود الحمراء وأي هدايا على شكل قلوب وكل ما يدل على احتفالية «عيد الحب»، في حين يتأهب العديد من المواطنين للتحايل والبحث بكل الوسائل والطرق لاقتناء الورود الحمراء والهدايا والسعي بشتى الوسائل للاحتفال بهذه المناسبة التي تعد ممنوعة نظامياً، وبالتالي يتحول ذلك اليوم لحالة من الكر والفر ما بين رغبة الاحتفال والمخاطرة المدفوعة بالمشاعر المفرطة التي تنتاب البعض من الذين تأثروا بما يدور حولهم في العالم خلال ذلك اليوم، ويقابلها فرق من المحتسبين الذين يرون في ذلك منكراً يجب التصدي له.

لقد كان يوم «الفالنتاين» الماضي ظاهرة بلا شك، فمنذ صباح الثلاثاء كانت أجهزة الجوال ممتلئة برسائل «الواتساب» التي تدور حول هذه الاحتفالية ما بين إهداءات للورود الحمراء والتبريكات بهذه المناسبة وما بين المواعظ التي تقول إنها احتفالية محرمة، بالإضافة لسيل من النكات والقفشات والطقطقة حول عيد العشاق، وما شهدته ساحات التواصل الاجتماعي من تفاعل نقاشات دارت بين رواد مواقع التواصل حول هذه المناسبة التي أنشأوا لها عدة «هاشتاقات» مختلفة، والبعض تداول صوراً للحجوزات الممتلئة في الفنادق والأسعار الفلكية التي وصلت إليها حجوزات الغرف ليلة الفالنتاين، حيث بلغ سعر جناح واحد متبقٍ في أحد فنادق العاصمة الرياض إلى أكثر من 18 ألف ريال!

ولذلك، السؤال الذي يطرح نفسه في هذه المسألة هو «هل السعوديون احتفلوا بعيد الحب أو أياً كانت مسمياته على أنه مناسبة دينية بمفهومها التاريخي العقائدي أو الأسطوري؟!»، أم أنهم احتفلوا في ذلك اليوم كنوع من المرح وتوظيف هذا الحدث العالمي للخروج عن الاعتيادية والرتابة وكسر الحياة الروتينية واستغلال هذه المناسبة للتعبير عن مشاعرهم لمن يحبون من منظور لا يهتم بالخلفيات التي نشأت عليه هذه المناسبة؟

بغض النظر عن كل ما جرى الثلاثاء الماضي، ومن مع أو ضد هذا «الفالنتاين»، إلا أن الواضح أن شريحة ضخمة في مجتمعنا تبحث عن السعادة والتسامح والرومانسية والحب والبهجة بكل الوسائل وأياً كانت خلفية المناسبة أو العواقب أو التكلفة الباهظة، هؤلاء تفاعلوا مع حدث الثلاثاء الماضي بطبيعتهم الإنسانية كبشر محبين للحياة، وربما علينا أن نستغل هذا الحدث لابتداع وابتكار يوم أو أسبوع «حب» للسعوديين تقام فيه فعاليات ومناسبات للأزواج والأسر ويسمح لهم بشراء الورود الحمراء والقلوب والاحتفال مع من يحبون بكل ما يساهم في إضفاء روح المرح والسعادة وكسر حدة السوداوية والقتل والدمار التي عمت العالم من حولنا.

«تكمن السعادة كفصوص ألماس في بطون المناجم الصخرية، فلنلقن أنفسنا حكمة الحب» – نجيب محفوظ