الحقوق فوق القانون ولو كان أصحابها مغفلين. فكثيرا ما يفصلك عن حقك درجة تهبط بها السلم أو تصعد بها لتكون وجها لوجه مع حقك ومع عبقرية الحقوق. فليس صحيحا دائما أن ما بين الحق وصاحبه مسافة طويلة من الطريق يتحين قطعها أو محطات زمنية ومكانية يتحين البكاء على جدرانها. فالمعرفة هي كل المسافة والمحطات التي تحتاجها غالبا لتجمع شمل الحق بأصحابه.

منذ فترة وعلى نحو غير مسبوق، تنامت موجات المطالبات الحقوقية في الأوساط المختلفة وتزايدت في اتجاه شتى ومن فئات متعددة. وهي مطالبات مشروعة وضرورية في تقديري، تعمل على سن القوانين والتشريعات التي تحقق العدالة التي يسعى لها النظام طالما أنها تحت سقف ذلك النظام الذي يكفل تحقيقها أو العمل على تحقيقها.

هذه المطالبات تأتي من فئات شتى من الناس والمجتمع. من النساء والعاطلين، المزارعين، المستهلكين.. إلخ. وهي مطالبات من المتوقع أن تتزايد وتستمر لفترة ليست بقصيرة لارتباطها بعدد من المتغيرات ولتأثرها بجانب كبير من التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحالية والقادمة.

ثقافة المطالبات بالحقوق ليست جديدة، وليست حصرا في مجتمع دون آخر. وهي ظاهرة صحية تعمل على إعادة الحق لإصحابه في ضوء الوعي المتزايد من أصحاب الحقوق ومن الجهات التشريعية، وفي ظل انتشار وتنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي بما أتاحته من فرص التنسيق والتشاور والنشر والإعلام بين أصحاب تلك الحقوق للضغط باتجاه التعريف بتلك الحقوق ورفع الوعي بين أصحابها أو ذويهم والمهتمين بقضاياهم.

في ظل هذا التنامي المنظور في بعض جوانبه وغير المنظور في الكثير من الجوانب، يجدر الوقوف عند المؤسسات الضرورية لتلعب دورا محوريا في تعريف كل فئة من المجتمع بحقوقها، دون المساس بحقوق الفئات الأخرى أو بالتصالح معها.

من الصعب بطبيعة الحال التعويل على الجهاز القضائي التنفيذي في لعب دور كبير في صناعة ثقافة المطالبات الحقوقية الفئوية، نظرا لما يتطلبه ذلك من جهود كبيرة تستبق المحاكم واللجان القضائية. أما جمعية حقوق الإنسان، مهما بذلت من جهد في هذا المضمار سيبقى قليلا ومتأخرا، ولا تستطيع أن تستجيب له الجمعية بإمكاناتها الحالية في تقديري.

أما مكاتب المحاماة ففي الغالب وللأسف تقع بما وقع به طبيب البدو، حيث الكي علاج لكل الأمراض، وحيث الاستثمار في «مصائب قوم عند قوم فوائد».

وقد يقف وراء ضياع بعض الحقوق، أناس يصطادون في مصائب الناس فيضخمونها ويجعلون من «الحبة قبة» ويلعبون بعواطف الناس ومشاعرهم ويستغلون جهلهم أو تجهيلهم بحقوقهم، ليكونوا صيدا سهلا لهم فيدفعون ما يملكون وما لا يملكون كي يخرجوا من مستنقعات الألم إلى بر الأمل.

إن الكثيرين من أصحاب الحقوق الفردية والحقوق الفئوية، هم ضحايا تخويف بعض مكاتب المحاماة ومبالغاتهم بالتبعات والمترتبات، حيث يتشبثون بقشة وحيث جهل الكثيرين بأبسط حقوقهم وبأدبيات المطالبات. لكن هذا لا ينفي أخلاقيات ومهنية أعداد كبيرة من المحامين مثلما هم الأطباء.

في زمن التحولات ولكي يكون الإنسان شريكا فاعلا في برامج التنمية وليس ترسا من تروس مكائنها، لا بد من انخراط الإنسان حقوقيا بالحياة، وهذا ربما يتطلب إيجاد مؤسسات تستنطق حقوق كل الناس والفئات لكي لا يبقى إنسان في مجتمعاتنا أو فئة من فئاته خارج مسارات القطار التي يجب أن تنطلق وحيث الجميع يجب أن يجد له مقعدا بها.

هناك فئات في مجتمعاتنا يجب أن نأخذ بأيديهم وتساعدهم حقوقيا مؤسسات قانونية متخصصة وتقدم لهم الاستشارات القانونية من حيث توعيتهم بما يلزمهم من حقوقهم وعدم الركون فقط إلى أن «القانون لا يحمي المغفلين» أو أن «المعلومات متاحة لمن يريد أن يطلع» فالاستشارات تتجاوز الاطلاع إلى التفاعل والتنوير والتشجيع أحيانا ليتوازى ذلك مع ما قد يخسره الفرد وربما الأسرة أو قد يخسره المهنيون والفئات الاجتماعية، فلا يجوز أن نأخذ ما وصلت له مجتمعات في انخراط أفرادها، وإغفال ما أتاحته تلك المجتمعات وأنظمتها للفرد وفئات المجتمع.

يجب الأخذ بالاعتبار، أن أغلب ثقافاتنا المحلية تتهيب القضاء والمحاكم وتخافها ولا تألفها بل وتربط بينها وبين العيب الاجتماعي أحيانا فضلا عن جهلها بإجراءاتها. هذه الثقافات بحاجة لكسر الحاجز النفسي مع ثقافة الحقوق، من دون عنف أو خجل. فضلا عن ثقافة الاستشارات القانونية والحقوقية.

مطلوب من المجتمع المدني أن يلعب دورا في كسر الحاجز النفسي بين الإنسان وحقوقه والقضاء على الأمية الحقوقية للكثيرين. ومطلوب من العديد من الجهات الحكومية أن تتلمس الجانب الإنساني في تطبيقها لقوانينها المتعلقة بالحقوق.

abdulatifalduwaihi@gmail.com