بالرغم من فظاعة تصور «سيناريوهات» نشوب حرب نووية، إلا أن السلاح النووي يملك قوة ردع جبارة وحقيقية، تحول دون التفكير حتى في احتمال استخدامه. إلا أن هذا الاحتمال باستحالة نشوب حرب نووية، حتى على مستوى محدود، خوفاً من عدم القدرة على احتواء أي صراع نووي إقليمي أو دولي، ليتحول إلى حرب كونية شاملة، ليس مضمونا، إذا ما ارتفعت درجة الثقة لدى أحد الأطراف الدولية المالكة للسلاح النووي، في قدرته على تبني إستراتيجية الضربة الأولى، للتخلص من الرادع النووي الذي يمتلكه الطرف الخصم، حتى في حالة عدم توفر أي شكل من أشكال التوازن الإستراتيجي غير التقليدي بين الطرفين.

احتمال نشوب أو اندلاع نزاع نووي، هذه الأيام، يختلف تماماً عن «سيناريوهات» تصور تبادل بالأسلحة النووية بين أطراف رئيسية تمتلك الرادع النووي، بينها توازنات إستراتيجية دقيقة وتفاهمات سياسية وثيقة، تردعها من تبني إستراتيجية الضربة الأولى، كما كان الحال أثناء الحرب الباردة بين قطبي توازن الرعب النووي آن ذاك: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

اليوم تتزايد احتمالات استخدام السلاح النووي، لأول مرة منذ ضرب الولايات المتحدة لليابان أغسطس ١٩٤٥ بالقنبلة الذرية لإنهاء الحرب على جبهة الباسفيكي. حينها كانت الولايات المتحدة تمتلك، بل وتحتكر السلاح الذري.. ولم تتطور بعد آلية ردع متبادلة للحيلولة دون اللجوء لهذا السلاح الرهيب. كما أن آلية الردع المتبادلة الآن بين الأطراف الرئيسية المالكة للسلاح النووي، لا يمكن ضمان الأخذ بها من قبل دول، مثل: كوريا الشمالية، التي لم تُقبل أو تتمكن من فرض نفسها ضمن عضوية النادي النووي الدولي، مثل الهند وباكستان، وتمتلك السلاح النووي، وأعلنت عن قوة الردع النووي التي تمتلكها، مع وسائل توصيلها إلى أهدافها الإقليمية القريبة، بل وحتى العمل لتوصيلها لأراضي دول نووية عظمى، مثل الولايات المتحدة.

الأكيد في معادلة توازن الرعب النووي الجديدة هذه، أنها لا يمكن إخراجها عن سياقات آلية التوازن النووي التقليدية، بالرغم من الخلل الخطير بين قوة أطرافها الإستراتيجية غير التقليدية. لكن الغريب هنا، أن الولايات المتحدة تبدو وكأنها تساوم على مسؤوليتها الإستراتيجية الكونية، لتسوية خلاف ممتد مع كوريا الشمالية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على استقرار العالم وأمنه. يظهر أن إدارة الرئيس ترمب الجديدة، مستعدة لتبني عقيدة الضربة الإستراتيجية الأولى، للتخلص من ترسانة كوريا الشمالية النووية، مستخدمة أسلحة تقليدية، وإن كانت لا تضمن بالضرورة وقوع حوادث نووية في مسرح عملياتها، ربما تمتد إلى خارج شبه الجزيرة الكورية (اليابان )، على وجه التحديد.

واشنطن سبق وفكرت في هذا «السيناريو» عام ١٩٩٤ في عهد الرئيس بِلْ كلنتون، إلا أن آلية الردع الإستراتيجي للسلاح النووي، سرعان ما فرضت نفسها. خطورة اعتناق عقيدة الضربة النووية الأولى، أنه: لا يمكن، على وجه اليقين ضمان التخلص نهائيا من ترسانة الخصم النووية مئة بالمئة، والحيلولة دون رد الخصم في ضربة إستراتيجية ثانية، بما تبقى لديه من سلاح نووي، بما لا يتحمل تكلفة المخاطرة باحتمال استخدامه ضده، من قام بالضربة الأولى.

صحيح أن كوريا الشمالية لم تطور بعد نظام توصيل رادعها النووي للولايات المتحدة.. وصحيح أيضا أن سلاحها النووي متخلف تقنيا ومحدود العدد والمدى والقوة التدميرية. لكن هناك حليفين إستراتيجيين للولايات المتحدة (كوريا الجنوبية واليابان) بهما ما يقرب من مئة ألف عسكري أمريكي، يمكن أن تبيدهم ضربة كوريا الشمالية الثانية. كما أنه ليس هناك من ضمان لعدم توسع نطاق احتمالات الحرب النووية بين واشنطن وبيونغ يانغ وتشمل قوى كونية نووية أخرى، ليتحول الصراع إلى حرب عالمية ثالثة لا تُبْقي ولا تذر، هذه المرة.

لغة التصعيد المتبادلة بين واشنطن وبيونغ يانغ، هي بمثابة قنبلة نووية موقوتة، ممكن أن تنفجر في وجه العالم في أي لحظة، ما لم تسُدْ الحكمة والتعقل.. وتخف، في واشنطن، لهجة: أن تجارب كوريا الشمالية النووية والصاروخية، إنما هي تدريب للاستعداد للحرب وتهديد مباشرلأمن الولايات المتحدة القومي.. وتُستبدل لغة التصعيد هذه في واشنطن بالتفكير في تطوير إبداعي لحلول أقل عنفاً للتخلص، من ترسانة كوريا الشمالية النووية، أو تحييدها عمليا. لأول مرة: منذ الاستخدام الأول للسلاح الذري، تُختبر فرضية استحالة اللجوء للسلاح النووي أو العمل على استفزاز حدوثه، والاكتفاء بوظيفته السياسية كعامل ردع إستراتيجي، لاستقرار العالم وتوازنه.. وضمان سلامه وأمنه.

لا يمكن أبدا اعتناق عقيدة الضربة النووية الأولى.

talalbannan@icloud.com