إن من أول درجات استقلال الدول هو في عدم الارتهان إلى صديق واحد وعدم ربط مصالح الوطن مع دولة واحدة مهما علا شأن هذه الدولة ووزنها العالمي لأن في ذلك لو حدث تقييدا للحركة وتضييقا على حرية اتخاذ القرار ومن هنا نبعث أهمية زيارة خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله إلى دول الشرق الكبرى والتي شملت ماليزيا وإندونيسيا وبروناي ثم اليابان فالصين، وكنت تحدثت في مقالي السابق عن زيارته لليابان وذكرت أنها ستفتح لنا بابين؛ أحدهما على الحاضر والآخر على المستقبل، أما في ختام جولته إلى الصين فإن الزيارة قد اكتسبت أهميتها من قيمة الملفات التي طرحت في جوانبها الاقتصادية والسياسية والتي تعلو قيمتها من الأهمية التي وصلت لها الصين في الوزن الدولي كدولة كبرى من حيث ارتفاع وتيرة النمو لديها والتي هي آخذة في التصاعد بشكل أصبح يثير حنق وقلق الولايات المتحدة الأمريكية والتي تراجع تواجدها في المنطقة خلال فترة أوباما مما أشرع الأبواب للصين لتدخل إلى المنطقة من خلال تقدمها الاقتصادي وتنوعها الصناعي.

ولأن المبدأ الاقتصادي البديهي يدعو الفرد إلى عدم وضع بيضه في سلة واحدة فإن الأمر نفسه يسري على علاقات الدول التي يجب تنويعها وذلك بغرض توزيع المخاطر وذلك بالنظر إلى أن مآلات الدول تتغير بحسب تحولات الأحزاب ووصولها للسلطة فكما حدث التحول في سياسة أمريكا خلال دورتين قضاهما أوباما الديموقراطي فإن ذلك وارد الحدوث في أي دولة وفي أي زمن وهذا بدوره هو المبرر الرئيس لتوزيع المصالح وتنويع التحالفات وعدم اقتصارها على دولة واحدة.

وهكذا يمكن النظر إلى أهمية جولة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان والتي أسفرت عن توقيع العديد من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية والأمنية وفي مجالات التجارة والنقل والتعليم والاستفادة من التنوع والتقدم الصناعي ونقل المهارة الصناعية الشرقية إلى المملكة إضافة إلى تسويق المنتجات الصناعية السعودية واقتحامها بأسعار منافسة ومدعومة لأسواق تلك الدول كما فتحت الزيارة الآفاق لتقوية وتعزيز رؤية 2030 من خلال الاستفادة من التجارب المتقدمة في تلك الدول وإلى جانب ذلك كله فإن زيارة الملك سلمان قد حققت توافقاً مشتركاً مع هذه الدول المهمة في العديد من الملفات السياسية سواء في ما يخص مواجهة الإرهاب أو التدخلات الإيرانية وأبعادها الطائفية في عدد من دول المنطقة إلى جانب التوافق مع المملكة في ملف النزاع اليمني وغير ذلك من الملفات السياسية التي شهدت تطابقاً وتأييداً على نحو يعزز من موقف المملكة القيادي في المنطقة عربياً وإسلامياً.

ومن هنا جاز لي أن أسمي جولة الملك سلمان بجولة تنويع السلال وتنويع التحالفات وتوسيع العلاقات المشتركة مع العديد من الدول المؤثرة عالمياً في المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية.