@ajib2013

ما زلت حتى اللحظة، أتأمل تعابير وجه ابني الصغير (فارس) ذي العامين والنصف، وهو يعيد بحرفية عالية والفرحة لا تسعه ذلك المقطع القصير الذي تظهر فيه طفلة مصرية جميلة ترتدي زياً جنوبياً لإحدى قبائل المملكة، كانت تغني وترقص بكل خفة دم محاولة تقليد لهجتنا العامية «بروح السعودية.. بروح السعودية، عوزه الخروف هنا وعوزه اللحمة هنا.. دي استقبال، خلاص.. ولو أنكم ما جبتوها حسطركم تسطير.. فاهمين».

الحقيقة أن هذه الأرض المباركة، إلى جانب أنها مهبط الوحي وقبلة المسلمين، فهي أيضاً ملاذهم الأول حين تضيق بهم الدنيا، ولا شك أن أمنية الحياة بالنسبة لكل منهم الحصول على فرصة عمل بالسعودية، لقد دفعوا (دم قلبهم) ليسددوا قيمة التأشيرة ثم يستصدروا الإقامة ويعملوا بموجب عقود نظامية، لقد كان لهم الفضل -بعد الله سبحانه- في تعليمنا وتسيير أعمالنا وتشييد مبانينا، إنهم جيراننا بالعمارة وزملاؤنا بالشركة وبعض من تفاصيل حياتنا اليومية، وليس من الشهامة أبدا، أن نراهم يغادروننا هكذا تباعاً، دون أن نبادر باقتراح أو كلمة قد تسهم في حل معاناتهم.

إن غاية ما نريده (إن كان ولا بد) في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، هو إقرار زيادة طفيفة في رسوم الإقامة، وإلغاء رسوم المرافقين والمرافقات للعاملين الوافدين بالقطاع الخاص، والتي سوف تدفع سنوياً عند إصدار وثيقة الإقامة أو تجديدها بشكل تصاعدي خلال الأربع سنوات القادمة، بداية من 100 وانتهاء بـ400 ريال (عن كل فرد بالعائلة)، وهو ما يشكل عبئا مادياً كبيراً على كل رب أسرة مقيم، كان قد هرب من جحيم الفقر وثورة الصراعات الدائرة ببلده، ولجأ بزوجته وأطفاله إلى تراب هذه الأرض الطاهرة لينعم بأمنها وأمانها ويرزق من وافر خيراتها.

أحدهم قال لي إن جاره العربي الوافد لجأ إليه، ليقنع زوجته بالعودة هي وأطفالها إلى بلدهم ليستقروا هناك، في حين ينتقل هو للسكن مع أصحابه ترشيداً للمصروف وحتى يتوفر معه كم قرش بنهاية الشهر، لكن الزوجة رافضة بشدة، لأنها ترى أنه إذا لم يتسن لها العيش بجانب زوجها بهذه الأرض الطيبة فلن يصلها أي مصروف وهي بعيدة.

للأمانة أقولها لكم، لم أكن راضياً على ابني الصغير وهو يكرر ذلك المقطع القصير، كنت في كل مرة أتحجج كي لا يبقى الجوال في يده، بأنه مضر بعيونه، أو أنه بيخلص البطارية علينا، أو أن أهله وإخوانه أولى باهتمامه (تماماً كما هو شعورنا المتناقض أحياناً تجاه إخواننا المقيمين)، لكنني كنت في الوقت نفسه أفرح لفرحه وفرح تلك الطفلة، وكل ما أخشاه أن يغلبه النعاس ثم لا يجد أمامه حين يستيقظ سوى أغنية طفولية حزينة بعنوان (زعلانة أوي بغادر السعودية).

ajib2013@yahoo.com