أصبحت البرامج التليفزيونية في الآونة الأخيرة، تستغل حاجة البسطاء بشكل مهين بعيد عن المهنية، فهي وإن ظهرت أمامنا كملاك الرحمة، إلا أنها في الواقع أقرب ما تكون لمصاص الدماء، والمفارقة العجيبة أنها حين تعلن القبض على مجرم أو تستضيف أحد الخارجين على القانون فإنها تمحي معالمه وتخفي هويته مراعاة لشعوره، أما عندما تكون الحالة إنسانية، فإن الكاميرا تتجول بأريحية تامة على وجه ذلك المسكين، مظهرة الدموع والتجاعيد وألم الحزن والفقد في تعابيره، وكلما ازدادت سخونة الحلقة استأذننا المذيع بخبث قائلا: نترككم الآن مع فاصل إعلاني ثم نعود!

عيب البرامج الجماهيرية أنها تتبنى قضية المواطن الذي يلجأ إليها وتساعده دون أن تسعى لحل المشكلة بشكل عام، والمصيبة الكبرى أنها تتبع نفس الأساليب الملتوية لتحقيق طلبه، تبحث عن واسطة قوية وتتواصل معه بطريقتها ليتدخل في الموضوع وينهيه على الفور، ومثل هذا التصرف الشخصي وإن زاد من سمعة البرنامج وعزز من مدى قوته، إلا أنه بالمقابل يكرس الخلل الحاصل بتلك الجهــة المعنية وربمــا يضفي عليه طابع الشرعية !!

الرابح الأكبر هنا، هي القناة التي تجني الملايين من الإعلانات التجارية، ثم يأتي المقدم الذي يصعد على اكتاف الغلابة وهو يعد البرنامج تلو الآخر مستغلاً همومهم لزيادة نجوميته، ثم يأتي من بعدهم ذلك الضيف المليء الذي ينتمي لواحدة من أرقى العائلات، ما يجعله قادراً على التطاول والتجريح، فيذيع صيته بين القنوات الأخرى، ولن يكون المسؤول الذي تداخل في الحلقة أقل حظاً منهم، فهناك منصب أعلى ينتظره لشفافيته، وحده المواطن الذي لا يجني أي منفعة، عدا النشوة الفاضية التي تلازمه من صراحة المذيع أو جراءة الحلقة، وشعوره الفارغ بأنه قال كل ما يريده!؟

إنني أرى أن المتاجرة بهموم المواطن بهذا الشكل الفاضح ومن خلال هذه البرامج المستهلكة، لا يختلف كثيراً عن جريمة الإتجار بالبشر، فكلاهما يقوم على أساس خداع الإنسان البسيط وإيهامه بتحقيق الفائدة له، ومن ثم استغلال ضعفه أسوأ استغلال، والتربح من ورائه، لقد دأبت هذه البرامج على التعامل مع هموم المواطن معاملة الرق والاستعباد، فلا هي التي أوجدت الحلول الناجعة لها، ولا هي التي أعتقتها لتتحرر وتبحث عن منافذ أخرى.

إن لمحة فاحصة لمقدار البذخ الذي يعيشه كل من معالي المذيع وضيوفه الأكابر، كافية لأن تدرك بعدها سبب أزمة المواطن وسر بقاء همومه الكبيرة على حالها منذ سنوات طويلة، هم ليسوا أغبياء حتى يسعوا لحل المشاكل من جذورها، فهي المنجم الحقيقي الذي تقتات عليه برامجهم وهي السلعة الرائجة التي يصنعون منها ثرواتهم الطائلة.