طارت بنجاح خلال هذا الشهر أحدث الطائرات التجارية من إنتاج شركة «بوينج» وهي من طراز 10-787.. ونظرا لتعدد طرازات هذا النوع بدءا من 3-787 و8-787 و9-787 وكثرة أرقامها فسأطلق عليها اسم «أم 10».. ولمن يدقق في الطائرة سيجد أنها شبيهة بالطراز الذي سبقها «أم 9» التي تملكها الخطوط السعودية وتشغلها بنجاح منذ فترة حوالى سنة. ولكن هناك بعض الاختلافات سأذكرها بعد حوالى 365 كلمة من هذه النقطة، ولكن اسمحوا لي في البداية أن أتحدث عن الناموسة. وبالأصح، أود أن ألقي بعض الضوء على قدرات الطيران المتميزة لهذه الحشرة الخطيرة المزعجة.

تصميم منظومة طيران البعوضة غريب جدا لأن أجنحتها صغيرة جدا نسبة إلى حجمها. وتحديدا فمساحة الجناح هي أقل من سنتيمتر مربع واحد لفصيلة «أنا فوليز» التي يبلغ طولها حوالى نصف السنتيمتر، ووزن ذلك النوع من الناموس هو أقل من جرام واحد.. أي أقل من نصف وزن كيس شاهي، ولذا فالأحمال كبيرة على كل سنتيمتر مربع من جناحيها.. ويترتب على ذلك أنها يجب أن تبذل جهودا جبارة لرفع نفسها، وينتج عن ذلك رفرفة جناحيها بمعدلات تصل إلى سبعمئة مرة في الثانية الواحدة. ويعكس طنينها المزعج التخبيط في الهواء رايح جاي وطلوعا ونزولا.. تخيل سبعمئة رفرفة في الثانية الواحدة.. وتخيل التطويع للهواء المار فوق وتحت الجناح في كل طلعة ونزلة بدون كلل أو ملل.. علما بأن زوايا رفرفتها ضحلة نسبة إلى الحشرات، بل وحتى المخلوقات الطائرة الأخرى.. ومما لا شك فيه أن إحدى أسرار فعالية هذا الطيران الرائع لهذه الحشرة البشعة هو تعاملها مع الهواء الذي يمر بانسيابية وكأنه عسل حضرمي سلس الحركة. ولكن الشطارة هنا هي أن حركة الهواء انسيابية في بعض مناطق الجناح، ومبعثرة وكأنها صحن «شعيرية» مكبوب في مناطق أخرى منه. ويرمز للحركة الانسيابية باسم «التدفق السلس» Laminar Flow وهي تتميز بأقل مقدار من المقاومة. وأما مناطق «الشعيرية» التي تشبه «هيصة» العاصفة وكأنها زبد موج البحر في يوم عاصف فيرمز لها باسم «التدفق المضطرب» Turbulent Flow وتتسبب تلك البعثرة للهواء في تكوين مقدار مقاومة كبيرة. وسبحان الخالق العظيم أن هذا الكائن المزعج يحتاج الى النوعين من حركة الهواء لتحقيق الطيران الفعال. فلو كانت تطير «سيدّا».. يعني «دوغري».. وترغب في الطيران بسرعة أو في خط مستقيم، فالمرور الانسيابي هو المطلوب، وأما لو المسألة فيها مخاطر ضربة «شبشب» قاتلة أعزكم الله، فالاحتياج هنا سيكون للمطاردة والمراوغة والمناورات. وتستخدم الهواء المضطرب لتتكئ عليه يمينا ويسارا وربما صعودا ونزولا للهروب من الضرب المبرح من البشر.. طيب -لا مؤاخذة- وما علاقة كل هذا بطائرة البوينج الجديدة؟

مولت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» مجموعات من الأبحاث حول موضوع مرور الهواء الانسيابي ومحاولة تمديد فترته على الأسطح الطائرة بهدف رفع فعالية الطيران من خلال تقليص المقاومة الهوائية لزيادة مقدار «الزفلطة» في الهواء، ولتوفير الوقود وتقليص الضوضاء، وكان أحد الأبحاث الإبداعية مركزا على تقليص بعثرة الهواء على أجنحة الطائرة وبدنها وأسطحها المختلفة لتحقيق التدفق السلس. وقامت شركة بوينج بتصميم فتحات صغيرة في مؤخرة الطائرة البوينج 787 بهدف تقليص البعثرة الهوائية. وتحديدا؛ ففي منطقة الذيل ستجد تلك الفتحات الصغيرة. واسم التقنية Hybrid Laminar Flow Control وقد قدمتها في طراز 9-787 ثم في الطراز الأحدث 10-787 الذي طار الأسبوع الماضي. والطريف في الموضوع أنه لا يزال يعامل بسرية فلم أحصل على إجابات من الشركة بشأن استفساراتي في هذا الشأن.

أمنيــة:

بصراحة أجمل ما يعجبني في البوينج الجديدة هي أن هندستها استفادت من الدروس التي أنعم الله علينا بها في أصغر المخلوقات. أتمنى أن نستفيد هندسيا من الدروس الكثيرة التي أكرمنا بها الخالق المبدع.. وهو من وراء القصد.