abdullahsayel@

في الثقافة الشعبية، يأتي تقبيل أنف الغير للتعبير عن الاحترام المتبادل، الأخوّة، الانتماء، كما يستخدمه النسيج القبلي أيضا في تدوين الاعتذار. من ذلك أن يأمر كبير المخطئ على المخطئ ويوجهه بنبرة صارمة قائلا: «قُم حب خشم فلان» أي قُم واطبع قُبلة على أنف فلان، وتدهورت الحال حتى صار حب الخشوم وسيلة للتصالح بين المحتجزين في توقيف المرور، وحتى شرذمة من المخمورين في آخر الليل. وعليك أن تدرك أن تقبيل الخشم يختلف عن تقبيل الرأس واليد والكتف، فتقبيل الرأس غالبا لكبار السن ومن يتمتعون بخانة متقدمة من الاحترام لجملة اعتبارات، فيما يكون تقبيل اليد للوالدين وأصحاب الفضل من الأقربين الأكبر سنا، أما تقبيل الكتف فهو الوسم الأكثر ترجمة للولاء المخصص إلى قيادة القبيلة أو أعيان مجتمع بعينه.

بالعودة إلى الأنف، اعلم أن الأنف عند عرب شبه الجزيرة العربية -تحديدا- في مكانة سامية لا تقبل الدنو، ولهذا تطورت المسألة إلى توظيف الأنف ضمن لغة الجسد للدلالة على جملة قيم سامية وأعراف لا حياد عنها. وعلى النقيض، ابتكر هؤلاء أنفسهم وسيلة لتوظيف الأنف المسكين للتعبير عن المهانة والإذلال وحتى إلحاق العار، فيقولون فلان دق أنف فلان، أي هوى برأسه إلى الأرض، للدرجة التي جعلت أنفه يرتطم ويندس في التراب. وكانت بعض قبائل نجد على سبيل المثال تترك وسما يشوه أنف من يحاول الاعتداء على الحرمات، أو يسرق أو يضر بجار أو قريب، فتكون فضيحته مقروءة في أنفه لكل من يشاهد وجهه مستقبلا.

كل هذا الإرث الثقافي يفسر لماذا يسمي المفحط نفسه «داق الخشوم»، وأحد نشطاء الأصولية الرقمية في تويتر يصف نفسه بـ«دقاق خشم بنو ليبرال»، وتسري شيلة حول دق الخشوم سُرى النار في الهشيم، ويجلجل فيها الشيال دون أن نعلم على وجه اليقين لماذا غضب أحدهم فقام بدق أنف الآخر حتى يحصل على حقه؟ علما أن نفس الشيّال ينفي عن «البطل» أن يكون قد نال حقه بـ«حب الخشوم»، لأن في هذا انتقاص من بطولة مستعيد الحقوق.. فهو إن نال حقه بحب الخشوم يكون قد نافق وأذل نفسه حتى حصل على حق مشروع!

ختاماً، نصيحتي لكل قارئ شاب أن ينتبه لأنفه، كما أهيب به أن يحافظ على خشم غيره من الناس، وإن طلب أحدهم منك طلبا فقل: «على خشمي».. للتعبير عن استعدادك واعتزازك وفخرك بتلبية الطلب، وبهذا لن ينتظرك سوى «الشحم» إكراما لك ولاستجابتك النبيلة.