عندما كنا في السكن الجامعي قبل عقدين، كان يؤم بنا شاب متنطع للغاية، يطيل القراءة ويلقي المواعظ السطحية، وفي أحد الأيام نفد صبر الطلبة حين قرأ في صلاة المغرب (أيام الاختبارات) سورتي النور والفرقان، ما أضطر البعض لقطع الصلاة، فيما توافد على المسجد بقية سكان المبنى الذين استغربوا استمرار صوت الإمام بالميكرفون بالرغم من دخول وقت العشاء، وما أن سلم الإمام والتفت حتى هاله منظر الشباب المتجمهرين خلفه والذين كادوا أن يوسعوه ضربا لـولا دفاع بقية المأمومين الذين أتموا الصلاة معه ولا زالوا يرونـه إنسانا منزها ومعصوما عن الخطأ!؟

الصدمة لم تكن هنا، الصدمة كانت عندما اختفى ذلك الشاب «ترما» أو «ترمين» عنا، ثم لمحناه وهو يزور جارنا في الغرفة، وعندما هم أحدنا بالخروج للسوق صرخ عليه جارنا قائلا: لا تنس الأغراض إلّي وصيتك عليها، ثم سمعناه يسأل ضيفه، قبل أن يعود ويصرخ في صاحبنا قائلا له: وخذ معك واحد مارلبورو أحمر، الله لا يهينك !!

هذا الموقف غير كثيرا من نظرتي الإيجابية تجاه المتدينين، حيث أدركت مع الأيام أن ظاهرهم المليء عن آخره بالزهد والصلاح شيء، وما تخفيه صدورهم من عيوب وحب لملذات الدنيا شيء آخر، وإذا كان المجتمع قبل أيام استنكر الحوار الماجن لذلك الداعية وهو يقول (تخيلوا أن حريمنا يسوقن) ثم يطلق تعليقاته البايخة عليهن، واصفا إياهن بالعربجيات وأن الواحدة منهن بعد أن تتعب من الدوران بونيتها في شارع التحلية سوف تعود لبيتها آخر الليل وهي مطينتها سكرانة، فإنني حزنت أكثر على أسلوبه الهمجي وهو يلقي المحاضرة، وكأني أشاهد فتوة حارة شعبية يجلس على كبوت السيارة واضعا عمامته على كتفه وينكت على المارة وسط ضحكات أقرانه !؟

وحتى أكون منصفا، فإن حديث الداعية لم يتضمن القذف كما يدعي البعض، لأن القذف لا يكون إلا بالاتهام بالزنا، وإنما تكيف فعلته على أنها اعتداء بالقول والشتم بحق المرأة، وإلى جانب تأييدي للمطالبة بمحاكمته، فإنني أطالب وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالخروج عن صمتها وإصدار بيان توضيحي لهذه الحادثة إلى جانب سن تنظيم صارم يحد من تكرار مثل هذه الأفعال المشينة، والتي تسيء لسمعة الدعاة الأفاضل قبل أن تسيء للناس الآخرين.

في سبيل ذلك، أقترح إنشاء معهد لإعداد الدعاة، يشترط للقبول فيه إحضار صحيفة خلو سوابق، وتقرير طبي معتمد يؤكد سلامة المتقدم بدنيا وعقليا، وإذا كان هذا الشرط يطلب من حارس أمن يقف على بعض الآلات والمعدات القديمة فإنه من باب أولى يفترض طلبه ممن سيشرف على عقول الشباب ويغذي معتقداتهم الدينية، خاصة في هذه الظروف الصعبة، مع التحذير الشديد لمنظمي المحاضرات ومعدي الندوات التلفزيونية من استضافة أي شخص غير مؤهل أو مصرح له، حتى لا تتفاقم مثل هذه الحالة ونرى في قادم الأيام أحد خريجي السجون يقطع محاضرته ليطلب من الحضور ولاعة !؟.