نقلت مواقع التواصل قبل فترة قصيرة صورة مهيبة لقارئ إندونيسي حسن الصوت فصيح اللسان، كان يقرأ في مسابقة لحفظ القرآن الكريم في جزيرة سورابايا وكان يتلو بصوته الشجي الآيات الأولى من بداية سورة «الملك» فلما وصل إلى الآية الكريمة «الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً» ترنح وتحشرج صوته ولفظ أنفاسه الأخيرة أمام مئات من الذين شهدوا المسابقة، وقد هزت مشاعري تلك الصورة لما فيها من جلال الموت واعتبرتها بشرى للقارئ بحسن خاتمة نأمل ألا يحرم منها أحد من الناس.

ولما أفقت من هول الموقف أشفقت على شباب وكهول يقضون ساعات يقظتهم لاهين غافلين يستمعون عبر جوالاتهم إلى الأغاني والموسيقى ليل نهار ومتابعة البرامج اللاهية والمسلسلات الصاخبة والبذيء من القول والفعل، فلا يحول بينهم وبين ذلك اللهو سوى خلودهم إلى النوم حتى إنهم يدخلون دورات المياه وجوالاتهم معهم تترنم بالأغاني الماجنة وهم يرددون كلماتها سعيدين، بل إنهم إذا ما أخلدوا إلى النوم وضع الواحد منهم سماعة هاتفه في أذنه لينام على صوت الموسيقى والغناء فإذا أصبح وقد أضاع الصلاة يكون أول عمل يقوم به حتى قبل تناول الإفطار تقليب ما وصله من واتسابات جديدة وما نزل من برامج حديثة خلال ساعات نومه ليستأنف غفلته الكاملة خلال ساعات النهار فلا اهتمام بالعمل أو الدراسة أو بر الوالدين وخدمتهما، بل لهو ونزق وسهر ومعاصٍ يأخذ بعضها برقاب بعض لتمتلئ قلوبهم الغضة باللهو ولا يكون فيها لذكر الله موضع يذكر!

وقبل ثلاثة عقود تعاملت مع صديق مكي لديه مؤسسة مقاولات لبناء عمارة صغيرة وكان له نشاط في كل من مكة المكرمة وجدة تقتضي نزوله إلى جدة أكثر من مرة في الأسبوع، فلما ذهب ذات يوم لتحصيل مبلغ مئة ألف ريال من صاحب عمارة بناها له على أقساط رأى أمامه حادث سير وقد تكأكأ الناس حول سيارة صغيرة انقلبت بسائقها الشاب على قارعة الطريق السريع فوقف -حسب قوله- ليشاهد ما حصل فسمع جمعاً من الوقوف وهم يقولون للشاب قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولكن الشاب الذي كان يعاني من سكرات الموت ظل يردد أمامهم آخر ما سمعه ووعاه قلبه وهو مقطع من أغنية قديمة: يا صاحبي ما في الهوى راحة! ولم يزل المتحلقون حول الشاب يحثونه على النطق بالشهادتين إلا أنه أسلم الروح مرددا مقطع الأغنية فبهت الواقفون وتركوا الإسعاف وخدمة الموتى لتكملة الإجراءات اللازمة.

أما صاحبنا فقد اصفر لون وجهه وهانت عليه الدنيا فقفل راجعاً إلى مكة المكرمة ولما اتصل به صاحب العمارة الذي أعد له شيكاً بالمبلغ سائلاً إياه عن سبب عدم حضوره أبلغه بما حصل فانفجر صاحب العمارة باكياً من هول الموقف!

mohammed.ahmad568@gmail.com