بدر عبدالعزيز

انطلق رعيلنا الفني الأول بهدوء نسبي لأسباب تكوينية لا دخل لهم بها، وأسباب مجتمعية لا انفكاك لهم عنها، فمضوا يصارعون داخل محيطهم الجغرافي وإطارهم التاريخي المرسوم لهم سلفاً. حتى ظهر من بينهم فتى يحمل أفكاراً خاصة عن الموسيقى، وفلسفة غريبة حولها، يتصف بالذكاء الذي يبعث على الإبداع. سعى هذا الفتى اليافع لإعادة تشكيل تمثال الأغنية غير المكتمل، محاولاً إبراز ملامحها وتدوير زواياها الحادة، ترك عقله لقلبه ونفسه لأنامله باحثاً في الجمال راغباً في الخلود، مثبتاً نظرية «أرسطو» أن الفن أرقى من الطبيعة! حباه المولى صوتا نقيا يشبه تغريد العصافير، أعذب الأصوات رقة وأكثرها تأثيراً، جمع بين حلاوة الصوت والأداء معاً، انطلقت موجات صوته في أوساط ميتافيزيقية وكأنها ظلال يقي حرقة الحياة، غيّر الواقع وبدّل الطبيعة وأخرجها من الإطار التقليدي تماماً كما فعل «زرياب» في الأندلس، فجاوز اسمه حدود الندرة وذاع صيته في الآفاق كقمة عالية وإطلالة جميلة للفن، حتى أضحى صوتاً للأرض.

الموسيقى لا تقتصر على تصوير المظهر الخارجي للشعور والسلوك الإنساني، بل تمثل الدلالة الباطنة والحياة الانفعالية لأحوال الإنسان وأفعاله، لذلك عندما تصدر الألحان عن نفس مليئة بالشجن فهي تعبر عن لحظة واحدة من الزمن تثبت الحركة عندها أشبه بتماثيل يونانية، وهنا تكمن عبقرية صوت الأرض في بساطة ألحانه وعمقها مع عدم تكلفها، لذلك رسخت في ذهن السامع. إن موسيقاه نبع يتدفق ليستردنا إلى فردوس الطفولة، عندما يشدو يشعرنا بأنه ميزنا عن كل الناس، يغني مستطرداً باسماً في حياء مسيطراً على أذهاننا وكأن لا هم له سوى توفير أسباب الهناء والسرور لنا، يشيع في أمسياته البشر والحبور حتى يبدو الجو خاليا من كل الماديات التافهة، لم يصدمنا بروعة أغنياته بل زجها إلينا مستساغة يحس بها القلب قبل أن تسمعها الأذن، أغرق نفسه في متعة الفن حتى أصبحت أغنياته بديلاً معنوياً يصرف للعشاق لقاء معاناتهم.

تسنم صوت الأرض ذروة الرجولة، وانحدر نحو الكهولة، استرق الزمن الخطى لا يبالي ولا يمهل، أصاب الإجهاد قلبه، وبدأ جسده يطالب بحظه من الراحة، نصحه الأطباء بالراحة التامة، لكن السوء لم يصب صوته قط! لذا أرغم نفسه على البذل، وقف على المسرح وابتسم، وقلبه باكٍ موجع، دوت عاصفة من الهتاف والتصفيق، وضع العبقري نظارته فوق عينيه، يرى حفاوة الناس به كرماً من عند أنفسهم لا دليلاً على نبوغه، جلس محتضناً عوده وبدا وكأنه انتصر في صراعه مع الزمن، تجلّد وغنى ولم يدع الألم يشمت به، كانت نفسه تتوثب كشخصية ميثولوجية لا يمكن تفسيرها، حتى سقط كأسطورة «بروميثيوس»، لم يهب للبشر النار كبروميثيوس بل وهب لهم الحب وذهب. ذهب مشيعاً بألم آسر تحول إلى (أنثروبولوجيا) اجتماعية تنتقل من جيل لجيل كحكاية شعبية لكنها عميقة فلسفياً.

Badr.alghamdi.kfsh@hotmail.com