حاورته: أسماء بوزيان

الحديث عن الأدب، وعن النصوص الروائية التي بدأت تأخذ شكلا مغايرا مع ظهور موجة الأدباء الشباب، هو الحديث عن نصوص روائية تؤثث، ضمن نسق معين، لمخاطبة قارئ نهم، يبحث دائما عن الجديد ويستوعب حركة الأدب.

صاحب «جنائن الشرق الملتهبة» و«أعراس النار» و «أربعون عاما في انتظار إيزابيل» الجزائري سعيد خطيبي، يتحدث في حوار لـ «عكاظ» عن المنجز الروائي وعن النصوص الأدبية في العالم العربي وغيابها عن الجوائز العالمية.

• بدأت شاعرًا. هل كان الشّعر ممهداً للتحوّل إلى جنس أدبي آخر؟

•• الأصحّ أنني بدأت قارئاً وما زلت. القراءة هي مهنتي الأساسية. وُلدت وكبرت في مدينة جنوبية صامتة، منغلقة على نفسها، منسحبة إلى بقعة داكنة، والقراءة بالنّسبة لي كانت أشبه بشرفة أطلّ منها على النّور. القراءة أحالتني –لاحقاً– إلى الشّعر، الذي كان بمثابة تحرّر شخصي، فرصة للخروج من ضيق الجغرافيا التي كنّا نعيش فيها، لكن الشّعر قد يصير شيئاً مشابهاً لتأزّم داخلي، لمرض، لحالة نفسية مركّبة، مُغامرة داخلية يفهمها صاحبها دون أن يجد كلمات لشرحها للآخرين، نحتاج للمرور بها، والشّفاء منها، لنستطيع الانتقال إلى جنس أدبي آخر، نحو كتابة مُغايرة، أو مزاوجة بين جنس أدبي آخر مع الشّعر. الشّعر –برأيي– هو أن نتعارك مع ذواتنا ومع ما يُحيط بنا، وإن خرجنا من المعركة بأقل الأضرار، سنستطيع المرور لكتابات أخرى مختلفة.

• معظم الذين تحولوا لكتابة الرواية، بدأوا بكتابة السيرة الذاتية، فهل تعتقد أن كلّ بداية هي سيرة ذاتية ولابدّ أن تتوفّر على البعد الذّاتي أو إبراز الذّات أكثر من رصد للواقع؟

•• تقنياً، السّيرة الذّاتية لا يمكن أن تكون رواية، لكنها تكتب وتقرأ كرواية. الأمر هنا، يحتاج إلى تبصّر كي لا نظلم الرّواية، باعتبارها جنساً أدبياً مختلفاً. من ناحية البناء السّردي، سنجد تشابهاً بين الرواية والسّيرة الذّاتية، لكن شخصياً، أضع السّيرة الذّاتية في مرتبة أقلّ بعد الرّواية. الرّواية يمكنها أن تحتوي سيرة ذاتية والعكس غير صحيح. في كتابة السّيرة الذّاتية، هناك غاية «تبليغية»، إبلاغ قارئ بأحداث ووقائع، في الرّواية، يلعب التّخيل دوراً أساسياً، يصير الواقع متخيلاً والمتخيّل واقعا. في الغالب، السّيرة الذّاتية نص خطّي، كرونولوجي، يختلف عن بنية الرّواية، التي لا يطرح فيها القارئ –بالضّرورة– سؤال: هل أحداثها واقعية أم لا!

إذن يمكن أن تتعاقد السّيرة الذّاتية مع النّزوع إلى رصد واقع وفق مرجعية تتجاوز الخطاب الاستهلاكي، التّقليدي؟

السّيرة الذّاتية قد تمنح القارئ فرصة لتأمّل تجربة ما (حبّ، قلق، غيرة، إلخ)، لكن لن يُنظر لها سوى من عيني المؤلف، من زاوية واحدة، حدودها مرسومة مسبقاً، عكس الرّواية التي تشرك القارئ في قفزاتها السّردية وتورطه في منحنياتها، على عكس كاتب السّيرة الذّاتية، فإن الرّاوي يلتزم بتعداد وجهات النّظر. الواقع حاضر في الحالتين، في السّيرة الذّاتية وفي الرّواية، لكن لكل واحد منهما مقاربة مختلفة له.

• اليوم الكثير من الكتاب الشباب يتحولون باتجاه استقراء التّاريخ ومحاولة مزاوجته بمكاشفة المسكوت عنه؟

•• تاريخنا، أقصد التّاريخ العربي، هو أشبه بعجلة لا تتوقّف عن الدّوران حول نفسها، هو تكرار ونسخ واستعادة ومُطابقة. ليس من المبالغة إن قلنا إن تاريخنا لم يكتب كما يجب، أو أنّه كتب في شذرات غير مكتملة، أو كُتب بأهواء فردية وليس بموضوعية حقيقية، لايزال مفخخاً بعدد من بؤر سوداء، محشواً بكثير من «المسكوت عنه» (لأسباب دينية أو سياسية)، نقط عمياء تتسع في كتب التّاريخ، لا نعرف عنها الشّيء الكثير، والرّواية هي اشتغال مُناسب ومرن لتوضيح ما التبس فهمه، والبحث في إشكالات جديدة، تجديد المساءلات التّاريخية، وملء فراغات لم يصل إليها مؤرخون أو تغاضوا عنها. الرّواية تحفظ روح التّاريخ، تعيد تشكيله وقراءته، ليس من منظور واحد، بل من منظور متعدّد. الرّواية ليست مُطالبة بتفسير ما حصل، وتقديم إجابات، بل على الأقل هي تحفر خنادق للتّفكير مجدداً ولنقد ما كنا نؤمن به. وهذا التوجّه نحو استقراء التّاريخ –أدبياً– من الممكن أن يحرّر العربي من طابوهات تراكمت، منذ قرون.

• هل هو نوع من الاقتناص العلني وتحوّل نحو القيم التي تحارب السّائد وتعري المهترئ تاريخيا؟

•• لا أعتقد بذلك، كما لو أنّه نزوع متأخّر إلى موضة ما. هي بالأساس خيارات شخصية، مسارات كتابية حرّة، كلّ كاتب قد يجد نفسه في واحدة من زوايا الرّواية، في الرّاهني أو في مواجهة تاريخ مضى، قد يجد نفسه في شكل من الكتابة وقد لا يجد نفسه في شكل آخر. الرّواية بحاجة إلى كتابات «استهلاكية» لأنها تتوجّه نحو طبقة قراء معينة، كتابات خفيفة للقراءات السّريعة، للتّسلية وتمضية الوقت، وهذه حالة موجودة في كلّ الثّقافات، وبحاجة أيضا إلى كتابات «مُضادّة»، صادمة وعميقة ومتبصرّة، لتصحيح مسارات وترميم ما انكسر.

• هل التحوّلات أو القفزات التي شهدتها الرواية الجزائرية من جيل المؤسسين إلى اليوم، قفز على إرهاصات الاتجاه الاستنساخي الذي اقتنص الواقع، عكس الجيل الثّالث الذي زعم ذلك وفشل في ترسيخ أفق جديد للرواية الجزائرية؟

•• أولاً، لا أتفق مع فكرة الأجيال، بشكل هرمي أو تسلسلي، في الأدب، إنّه فكرة تكرّس معاني «الأبوية» وتخضع الكتّاب لترتيبات زمنية وليس نقدية. لكل مرحلة خصوصياتها وأسئلتها ومآزقها، الظّروف التي عاشها السّابقون ليست هي نفسها اليوم. الأسماء الجديدة، في الرّواية الجزائرية، أظنّها واعية بما تفعل وما تكتب، لها جرأة وفطنة في المناورة الأدبية، مع أن المرحلة الحالية هي من أسوأ المراحل، في التّاريخ الثّقافي، في البلد، من ناحية الحريّات الفردية. من يكتب في الجزائر سيعرض نفسه لمحاكمات: قد يصدر رجل دين فتوى بقطع رأسه (كما حصل مع كمال داود) أو قد يتعرّض لمضايقات نفسية تحت مسمى «الأخلاق». يُخطئ من يعتقد أن هناك استمرارية بين كتابات المؤسسين وكتابات الأسماء الجديدة، الواضح أن هناك شبه قطيعة بين الطّرفين، قطيعة تصل حدّ العداء في بعض الأحيان، كما أن الكتّاب الجدد لا يودّون تكرار السّقطات التي سبقهم إليها مؤسسو الرّواية في الجزائر.

• هل نلمس فرقا بين نصوص المؤسسين ونصوص الجيل الجديد؟

•• للمؤسسين السّبق التّاريخي، وشجاعة في المغامرة. بالمقابل، الأسماء الأدبية الشّابة، التي نُصادفها اليوم، لها أيضاً سبق هدم كثير من المسلّمات التي عاشت طويلا، وساهم جيل المؤسسين في تشييدها. في الماضي، كان الرّوائي الجزائري يجد أجهزة الدّولة في خدمته (إعلام، سياسة، إلخ)، كان نفسه جزءًا من الآلة الثّقافية الرّسمية (محمد العيد آل خليفة، الطّاهر وطار، إلخ) على عكس الكاتب الجزائري الحالي، المعزول، المُغيب من المؤسسات الرّسمية (التي أنشئت بالأساس لخدمته)، المغضوب عليه، والذي يُحاول تكريس نفسه بنصّه، بصبره ومقاومته، لا بالاعتماد على الأجهزة الرّسمية (اتّحاد الكتّاب الجزائريين مثلاً لم يتحرّك ولم يقل شيئاً في الدّفاع عن الرّوائي كمال دواد حين صدرت فتوى بإعدامه، قبل ثلاث سنوات)، ولا على الولاءات للسّلطة. والسّبب في هذه التقسيمات، الحظوة التي استفاد منها كتّاب سابقون على عكس نظرائهم اليوم، هي النّصوص طبعاً. الطّاهر وطار كان يكتب وفاءً لقيم الثّورة الزّراعية مثلاً (رواية «الزّلزال» نموذجاً)، كان يسمع ما يدور في السّياسة ويحوّل كلمات قادة الحزب إلى روايات، أمّا الكتّاب الجدد فقد فهموا أن الأدب هو أمر مُختلف، هو أن تؤمن بالمجابهة مع أنّها مجابهة غير متكافئة، أداروا ظهرهم للسّلطة وتوجهوا للقارئ، الذي احتضنهم، ووجدوا أنفسهم غير مرغوب فيهم من طرف السّلطة.

•ومن جيل المؤسسين الذي كتب بلغة المستعمر نجح لحد ما في إسماع نصوصه للعالم وترجمت عديد الأعمال لعديد اللغات، في حين فشلت نصوص الجيل الثالث في تخطي عتبة العالمية. ما السبب في ذلك؟

•• أن تتجاوز حدود الجغرافيا، ليس حكماً للقول إن هذا الأدب جيّد أو سيئ. النصّ قد يكون عالمياً أو لا، في حدّ ذاته، وليس بسبب ترجمته من عدمها. لا ننسى أن أهمّ الكتّاب بالفرنسية، في الجزائر والحال نفسه في المغرب، ينشرون أعمالهم في باريس، بالتّالي فإن عملية التّسويق، خارج الفضاء الفرنكفوني، تشترك فيها دور النّشر ذاتها، هناك آلة تشتغل سنوياً للتّرويج للنّصوص وتوزيعها ودفعها للانتشار. كما أن الأسماء الجديدة لم تنل الوقت الكافي للتّعبير عن نفسها، هي في الطّريق، مسألة وقت ستتحدّد ملامحها.

• ولكن نفس هذه النصوص التي تنشر في دور فرنسية، بقيت ضيقة النطاق ولم تعرف الانتشار الذي عرفته نصوص بن هدوقة وحداد وجبّار وغيرهم...؟

•• بل العكس، يوجد من الكتّاب اليوم من يتجاوز جيل المؤسسين، لكن على عكس الماضي، حيث كان عدد الكتّاب قليلاً، وكانت كتابة الرّواية استثنئاءً، اليوم تصدر في الجزائر سنويا عشرات الرّوايات والأمر يحتاج إلى غربلة وإلى وقت. بن هدوقة، ومن كتب في مرحلته، كانوا ككتّاب «يتامى»، وحدهم يتبادلون الأدوار، من الطّبيعي أن الأضواء والصّخب كان حولهم فقط، اليوم نحن في مواجهة عدد كبير من الكتّاب، نحتاج لبضع سنوات للفرز بينهم، وستتكشف لنا أهميتهم مستقبلاً.

• لنعود نوعا ما للسرد، برأيك، كيف تكون العلاقة بين الكاتب والخطاب الموازي للسّارد؟ هل تعتقد أن تعدّد الأصوات في السّرد يخدم البناء السّردي وخَطه؟

•• الرّواية هي موزاييك من الأصوات، كما ذهبت إلى ذلك جوليا كريستيفا، وهو ما يميّزها عن أجناس أدبية أخرى. هي نمط هجين يتقاطع فيه صوت السّارد وأصوات الشّخصيات وقد تذوب الأصوات كلّها مع بعضها البعض. هذا التعدّد «البليفونيك» في الأصوات يصير أشبه بحوارية درامية، ويصير الرّوائي يلعب دور مخرج مسرحي. هذا لا يعني أن نقلّل من قيمة رواية الصّوت الواحد أو من صوتين، كما هو حال الرّوايات التراسلية، التي اشتهرت في الغرب في القرن السّابع عشر، التي يمكن أن نقرأها الآن كنصوص معاصرة.

• لجأت في رواية «أربعون عاما في انتظار إيزابيل» لتوظيف التراث، فهل تريد من وراء ذلك، تكريس شكل روائي خاص بك، ينصف شخوص الرواية من جهة ولكن في آن واحد يصوب ما شوّهه التاريخ؟

•• باعتقادي أن التّاريخ واحد، ووحيد، بالنّسبة لي، قيمة التّاريخ في الحدث وليس فيمن يصنع الحدث، وهو يقبل التأويل ولا يحتمل التّجزئة، في حالة رواية «أربعون عاماً في انتظار إيزابيل» كان يهمّني أن أعيد قراءة تاريخ شخصية امرأة، صنعت بنفسها حدثاً ورافقت أحداثاُ أخرى، مع نقلها إلى فترة معاصرة، وأن أجعل منها خلفية للأحداث، للطّفرات التي عرفتها الجزائر طيلة 40 عاماً، من ما قبل حرب التّحرير إلى ما قبل الحرب الأهلية في التسعينات، بعيدا عن محاكمتها، مدحها أو تجريمها، وبعيدًا عن السّقوط في تكرار كتابة سيرة معروفة. برأيي، تشويه التّاريخ يبدأ من لحظة عدم كتابته، وهو ما حصل في الجزائر، مازال التّاريخ عبارة عن مرويّات شفوية، لم نتأكد من صحّة غالبيتها، تتفاخر ببطولاتها الهشّة فقط ولا تذكر هزائمها.

• كل نص يتعامل مع العناصر التراثية، يوقع صاحبه في التناص، فهل تعتقد أن التناص مع نصوص تراثية تاريخية يشوّه الخطّ السّردي ويلحق العيب بالرواية؟

•• أعود إلى جوليا كريستفيا، التي تقول إن النصّ الأدبي (خصوصاً الرّواية)، هو كتلة من الأقوال ومن العبارات (التي تحتمل التّناص طبعاً)، كلّ نصّ جديد يشبه عملية تحوّل من نص سابق، ما يشبه مسخاً لنصّ ما، قد لا نحدده ولا نعرفه تحديداً، قد يكون عالقا أسفل اللاوعي، لكن هناك علاقة تبادلية بين النّصوص، كلّ نص يستفيد مما سبقه، بشكل مباشر أو غير مباشر. لكن أيضا قد يكون التناص عملية فردية، يقوم بها القارئ وحده، في الرّبط بين ما قرأه في نص مع ما قرأه في نص سابق، للقارئ سلطة التّأويل وخلق التّناص أيضاً. كل نص جديد هو في تقاطع بين نصوص سابقة بالضّرورة.

• عندما يكتب الكاتب نصا يجب أن يكون غنيا بعناصر معرفية، وقد مازجت في كتاب «جنائن الشرق الملتهبة»، بين الأضداد والعناصر المعرفية التي تحيل القارئ إلى التشويق والترقب. هل توظيف السّرد الرحلي مع مفعول الحركة الارتجاعية لا يدخل القارئء في حالة من التشظي بين المعطى المكاني والمعطى التّاريخي؟

•• كتبت «جنائن الشّرق الملتهبة» كما لو أنّني بصدد رواية، أرى أنه لا يمكن فصل أي مكان مهما كان عن تاريخه، المكان مثل الإنسان له حياة وروح، يولد ويكبر وربما يموت، لهذا في كتاب «جنائن الشّرق الملتهبة» كنت أتعامل مع الأمكنة كشواهد بشرية، هي الحاضر الملموس الذي يحكي لنا ما حصل بعد ان رحل كل الشهود ومحت آثارهم. كان كارل ماركس يقول إن كلّ التّاريخ ليس سوى تاريخ البشر، هذا رأي مؤدلج، يصلح لتمرير فكرة سياسية معينة، فالأصل في الأشياء أن التّاريخ هو تاريخ الأمكنة، المكان هو العتبة الأولى لسرد التّاريخ، والتّاريخ لن يفهم من دون الرّجوع إلى المكان الذي حدث فيه.

• ألا تعتقد أن «جنائن الشرق الملتهبة» هي محاولة منك، لتجاوز زئبقي للخروج عن الأرض والمكان والسّفر نحو الذات في أبعادها الثقافية والرمزية والقيمية التي تحيل القارئ إلى اكتشاف مواطن جديدة تتشابه فيه عناصر كثيرة؟

•• كنت ذكرت في خاتمة الكتاب نفسه أن كلّ ترحال، مهما بعُد، هو فقط عودة لذواتنا، أن نرحل ونسافر ونبتعد سنعود، في النّهاية، إلى دواخلنا لنعيد اكتشاف أنفسنا. السّفر هو تجربة حياتية نعيد فيه التقاط ما ضاع منّا، من ذاكرة ومعارف. التّرحال، مهما اختلفت بقاعه، فهو يعيدنا باستمرار إلى بقاع عرفناها، إلى أمكنة عشنا فيها. السّفر إلى الخارج ليس سوى عودة إلى الدّاخل.

• هل استعمال المصطلحات العامية في النصّ، يحيل القارئ إلى تأويلات تخل بخيوط السرد وتحد من انتشار الرواية؟

• ليس بالضّرورة، العامية تحيلنا لروح النصّ، لالتماس اللحّظة التي يتحدث عنها الكاتب، لنشعر بها فعلا. في كلّ بلد عربي يوجد معجم عامّي، يميّزه عن بلد آخر، أن يمتلك كلّ شعب عاميته فهذا أمرّ إيجابي، على عكس ما يعتقد بعض اللغويين. أحياناً قد لا يستطيع كاتب التّعبير على حالة نفسية، أو شعور ما، بكلمة من الفصحى، قد لا يجد نظيراً لها في الفصحى، فيلجأ إلى العامية، التي تختزن حمولة حسيّة، وهو لجوء مبرّر، بالمقابل، نجد أن النّقد غالبا لا يستسيغ كتابات بالعامية، ينظر إليها في مستوى لغوي أقلّ من الفصحى، وهي ميزة عربية بامتياز، ففي مناطق أخرى من العالم سنجد كتّابا معروفين، من إيطاليا مثلاً أو في جنوب أفريقيا، يتعاملون مع العامية في كتابتهم بنفس الطّريقة التي يتعاملون فيها مع اللغة الرّسمية في بلدهم، والقارئ لا يجد حرجاً في ذلك.

• كونك دارسا ومتخصصا في الدراسات النقدية الأدبية.. غالبا ما ينسج النص الذي تتخلله مواقف تخيلية هالة تحرر القارئ من الواقع وتفتح عنه نوعًا من الممارسة الحرّة.. هل تراه أحد الجوانب المهمّة والإيجابية في تعدّد التأويلات وما مدى تأثير ذلك في إذكاء الذاكرة المتلقية؟

•• كلّ نص أدبي هو تجربة شخصية، الكاتب ينطلق من ذاته نحو الآخر، وفي هذا الطّريق يورط القارئ في لعبته. النصّ الجيد هو نصّ قادر على الاشتباك مع القارئ، سحبه من خموله، التّحاور معه او استفزازه، أن يحرّر رغبة القارئ في التّساؤل، الكاتب ليس مضطراً لإرضاء القارئ ومهادنته، الكاتب ليس نادلاً، بل عليه أن يزعجه. بما أن النصّ الأدبي محصلة تجربة ذاتية، تظهر بمستويات مختلفة، فمن الطّبيعي أن تتعدّد التأويلات، تتنوّع القراءات، وقد تتناقض فيما بينها حول النصّ الواحد.

• هل تعتقد أن النقد اليوم أصبح كسولا أو متكاسلا في مُسايرة الإبداع في العالم العربي؟

•• على العكس تمامًا، النّقد يقوم بوظيفته كما يجب، في المؤسسات الأكاديمية كما في الصّحافة، مع أن هناك تفاوتا في النّشاط النّقدي، من بلد لآخر (مثلا الجزائر هي أفقر البلدان العربية من النّقاد). لكن الأمور تغيّرت نسبياً –اليوم–، نحن نجد أنفسنا، سنويا، في مواجهة «تسونامي» من الإصدارات السّنوية، التي سهلتها عوامل اجتماعية وأخرى اقتصادية، صار بعض الكتّاب يصدر أكثر من كتاب واحد في العام، وهناك من يصدر ثلاثة كتب في عام واحد، يضعب على القراء والنّقاد اللحاق بإصداراته. النّقد يرافق الإبداع لا يسبقه، النّقد هو ردّة فعل (ضرورية) وليس فعلا (الذي هو في عمل الكاتب)، لهذا نلاحظ اختلالا في الميزان، وأمام طفرة النّشر العربي، قد يتراءى للبعض أن النّقد تراجع.

• ما الفرق بين الحركة الأدبية في العالم العربي والحركة الأدبية في الغرب؟

•• في الغرب، يتعاملون مع الأدب باعتباره سلعة، منتجا تجاريا، يخضع، في أحيان كثيرة، لمنطق السّوق، ولقواعد صارمة، وهذا توجّه سليم، يحفظ لكل الأطراف حقوقها، لهذا هم يوظّفون له كل إمكانات، من صناعة جيّدة إلى ترويج حسن، ويكسبون في الأخير معركة احتواء أو إغراء القارئ، وتوسيع قاعدة المتلقين، في العالم العربي لا يزال الأدب من الكماليات، سلعة ثانوية، رواجها يرجع بفائدات وعائدات وكسادها لن يضرّ كثيراً، بحكم أن أولويات المواطن العربي تقتصر في عناصر تجاوزها الغربي منذ نحو القرن: في العيش والحرية.

• لماذا تغيب النصوص العربية عن الجوائز العالمية، مثلا نوبل للأدب؟

• هناك نصوص أدبية عربية تستحق الوصول إلى نوبل، لكن الأكاديمية السويدية لها حسابات من خارج الأدب أحياناً، لهذا لم يحصل بعد إجماع على اسم عربي واحد (بعد نجيب محفوظ)، لكن من المؤكد أنّه سيصل، في السّنوات العشر القادمة، على أقصى تقدير. من المهم أن لا ننسى أن نوبل لم تخطئ فقط كتابا عربا، بل أغفلت وأهملت كتّاباً مهمين من أمريكا اللاتينية ومن أفريقيا. تبقى نوبل بوصلة أدبية مهمّة، لكنها كجوائز أخرى، لها سقطاتها، وهي لا تنكرها على نفسها.