(لتغير قواعد اللعبة.. ليلة الهروب من الاصطفاف مع قطر إلى شتم MBC) عنوان في «عكاظ» يشرح حال البعض ممن أعمى الله بصيرته عن حبه لوطنه والدفاع عنه لدوافع حزبية ومصالح دنيوية ضد السقطة القطرية في حق نفسها وجيرانها في مغامرة صبيانية انكشفت مع الأيام أبعادها، تراجع من تراجع وانسحب من انسحب يجر أذيال الخيبة والندم. وأما الفئة الثالثة وهي التي ابتلانا الله بها لا هم لها إلا الترصد لحراك الوطن وانتقاد خطواته والتعرض له. هذه الفئة المتلونة اختارت الهروب دون حذف أو تراجع كعادتهم، فالتفوا على أنفسهم محولين البوصلة إلى الدخول في جدل سريع حول مسلسلي (سيلفي) و(غرابيب سود) ومحطة MBC اتكأوا على عكاز الحزبية المصلحية وما يدفع لهم ورفعوا راية الدين كعادتهم عندما تعوزهم الحجة وينقصهم الدليل، فكالوا الشتائم للقناة والقائمين عليها في خطوة اعتدنا عليها منذ سنوات. بقايا من سخام جهيمان والمرشد وزمرته، فالمحطة وما تقدمه يهدف إلى فضح سوءات المتآمرين والسابحين ضد تيار الوسطية والاعتدال. ما زلنا نتذكر حملتهم ضد (طاش ما طاش) الذي حارب العادات والتقاليد التي ألبست لباس الدين في زمن الغفوة، وقف لها بالمرصاد وفضح ممارساتها الخاطئة. والآن يعودون لمهاجمة المحطة وبرامجها والتحذير منها وخطرها على المجتمع، وهم يكذبون. يريدون فرض قناعاتهم على الآخرين بأن الحياة يجب أن تكون جدا لا هزل فيها وأن من علامات الرجولة والتدين العبوس وتقطيب الجبين والحدة في الحديث والترفع عن الضحك والابتسام مخالفين بعملهم هذا الفطرة الإنسانية التي خلق الله عباده عليها. فالإنسان بطبعه كائن اجتماعي في حاجة إلى من يخفف عنه شدائد الحياة وقسوة الأيام وعناءها وصعوبة أحداثها ويرطب أجواءه ببسمة أو ضحكة أو كلمة تعيد إليه صفاء روحه ونقاء فطرته بعيداً عن اتهام النيات والشعور بالإثم والخطيئة ودوامة المعصية، فلم يكن الدين يوماً قيداً من حديد على فطرة الإنسان ولن يستطيع أحد أن يحرم المباح بناء على وجهة نظره أو مجرد إحساسه بذلك. فالحكم بالحلال والحرام من خصوصية المشرع وليس لأحد الحق في أن يفعله من تلقاء نفسه وبدون دليل واضح وصريح وثابت. يقول الإمام مالك: لم يكن في أمر الناس ولا من مضى من سلفنا الذين يقتدى بهم أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقول أنا أكره كذا وأرى كذا. ويقول الشافعي أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون في الفتيا أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان بيناً في كتاب الله.

(طاش ما طاش) بعد أن أشبعوه تحريما وتكفيرا، عادوا الآن ليصبوا غضبهم على (سيلفي) الذي ناقش في إحدى حلقاته أزمة الإسكان الطاحنة التي يعاني منها المواطن مجسداً الواقع الإسكاني بكل تفاصيله في شكل درامي مضحك، وقد انتقد هذا المسلسل أحد المغردين بقوله «كلنا نعرف أن قضية الإسكان خطيرة ونعرف أن MBC وبرنامجها سيلفي أكثر خطورة من قضية الإسكان بمراحل فالبيت يمكن تعويضه أما الدين فلا»، هذا المغرد وأمثاله الذين لا يحبون الحياة ويكرهون المرح والفكاهة وجدوا أن بوابة الدين هي الطريق الأسهل للدخول إلى بوابة تحريم وتجريم هذا المسلسل والمحطة وأنه نذير شؤم، ولو فهموا الإسلام الصحيح بعيدا عن التشدد والغلو لعرفوا أن الضحك من خصائص الإنسان، فالضحك يأتي بناء على الفهم والإدراك والمعرفة كردة فعل لما سمعه، وهو عكس الحيوان الذي لا يضحك لأنه محروم من العقل.

فرسولنا الكريم كان يضحك ويمزح ولا يقول إلا حقاً. سألته امرأة أن يدعو الله لها بدخول الجنة، فقال يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، فبكت المرأة لأنها ظنت أن الكلام على ظاهره. فناداها الرسول على رسلك إنك حين تدخلين الجنة تدخلينها شابة وتلا عليها قول الله تعالى: «إنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا»، ويلاطف رسول الله أحد صحابته عندما طلب منه أن يحمله على بعير فقال له النبي: «لا أحملك إلا على ولد الناقة»، فقال وماذا أصنع بولد الناقة؟ فقال له الحبيب عليه الصلاة والسلام: «وهل تلد الإبل إلا النوق»، وقال عليه الصلاة والسلام في سويداء صديقة عائشة: «اللهم إنها كانت حريصة على أن تضحكني فأضحكها فرحاً»، وقال الإمام علي: من كانت فيه دعابة فقد برئ من الكبر، وكان الرسول يجلس مع صحابته يقولون الشعر وأحاديث الجاهلية وكان يبتسم عندما يكون الكلام يثير الابتسام. ويقول لحنظلة عندما شكا له ما يجده من تغير حاله وسوء مزاجه عندما يرجع إلى بيته وأهله من عند رسول الله «روحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت»، فلا بد من ساعة وساعة وهذا ما نحتاج إليه في حياتنا من مرح ولعب وضحك ومسرح وتلفزيون وموسيقى وسينما مع الاحتفاظ بكل ثوابتنا وما تربينا عليه.