حاوره: علي مكي

ليلة القدر ليلة استثنائية بكل المعايير، يحفها النور العظيم من كل اتجاه ومكان، آثرنا في «عكاظ» أن نلتقي كل يوم، طيلة ليالي العشر الأواخر، عدداً من نجوم المجتمع دينياً وثقافياً وفنياً ورياضياً واجتماعياً، نسألهم عما تعني لهم هذه الليالي الكريمة، وأسئلة خاصة عما يجول في أرواحهم تجاه ليلة عظيمة مثل ليلة القدر التي نزل فيها القرآن الكريم.. ضيف حلقة اليوم فنان العرب محمد عبده، فماذا قال؟

• لكل زمن طقوسه، ولكل فصلٍ مواسمه.. ماذا تعني لك العشر الأواخر من رمضان؟

•• دعني أعكس الحال بيننا لأسألك عن مشاعرك.. كيف هي في تلك الليالي العشر الأواخر. لا أعتقد أن شعورك أو شعوري سيختلفان عن شعور أي مسلم في هذه البسيطة، فالروحانية التي تطغى على الصائم المسلم مذهلة، لاسيما لدى أولئك الذين يتاح لهم قضاء العشر أو بعضها جوار أحد الحرمين الشريفين، أخطط كالعادة أن تكون الأواخر إن شاء الله أو بعضها في مكة المكرمة.

• رمضان ليس شهراً مثل كل الشهور، وثلثه الأخير موعود بليلة القدر، فهل تتحراها، وما هي طقوسك في هذا التحري؟

•• من الطبيعي جدا أن يتحرى المسلم ليلة القدر في الفرديات الأواخر من ليالي رمضان الكريم، أما كيف يكون ذلك فهذا بطبيعة الحال بالاجتهاد المضاعف في التعبد والدعاء والتقرب من الله جل وعلا.

• كل من يتحرى ليلة القدر يحمل بين جنبي قلبه حلماً عظيماً.. ما الذي تترجّاه فيها؟

•• قبل قليل كنت أقول لك إن الاجتهاد في العبادة والرجاء هو الحال والسمة التي يكون فيها حال العبد من الله في ليلة القدر، أما ماذا أرجو من الله فيها وبحكم أني عبد طماع أو لنقل كثير الطمع في رحمة ربي أرفع يدي ضارعا بعفوه وغفرانه ورضاه جل وعلا وبالجنة التي وعد الله بها عباده المتقين.

• بين شرط العبادة وطموح الحلم.. ما الذي يتبقى لك كي تتأمل فيض الرحمانية في هذه الليلة؟

•• مشروعة هي الأحلام، لاسيما تلك التي تشابه تضرعنا إلى الله، ومتى؟ في وقت هو ليلة القدر افتراضا. نعم ربنا هنا يطلب منا الاجتهاد أكثر في العبادة وطلب العفو، لذا أقول إن العرض مغر للاجتهاد. ليس هناك من شروط أو انتظار للعبد كي يحلم أو يتأمل، فالحقيقة محسوسة في ليلة هي ليلة القدر أو ليلة نتوخى أن تكون ليلة القدر ونتمنى فهي ليلة تنبئ بروحانيتها.

• هل أنت موقن بأي توقيت هي، أي ليلة القدر، ستكون؟ أم ستضرب كل الأوقات المحتملة؟

•• مؤمن تماما بكل حديث شريف يوحي إلينا بل يدلنا على أن الليالي الفردية من الأواخر تكون بينها ليلة خير من ألف شهر، الأمر الذي يدعونا إلى مضاعفة الاجتهاد في العبادة.

• لو كلّ الليالي ليالي قدر.. ما الذي ستراهن عليه كي يتحقق أولاً؟

•• جمال وروعة مناجاة الخالق تكمن في تفرد ليلة القدر، تعرف ذلك من مزاياها المتعددة ومن المشاعر الفياضة الساعية إلى ليل عمل واجتهاد في العبادة، سؤالك يجعلني أفكر بالفعل. كيف لو أن كل ليلة هي ليلة قدر؟

• بين الخاص والعام.. أيهما ترى هو الأولى هذه الليلة: ترميم الذات؟ أم إصلاح العالم؟

•• إصلاح العالم لا يكون في البدء إلا بإصلاح الذات، من المهم أن يبدأ الإنسان بترميم كل ما هو متعرض للسوء، ومن وجهة نظر سوية أرى أن كل فرد هو متحمل مهمات إصلاح الكل ولكن بدءا من صلاح نفسه.

• ما هي الأمنية التي تخشى أن تتمناها في مثل هذه الليلة؟

•• في الأواخر المباركة هذه ليس هناك من دعوة تخشى إطلاق العنان لها فكل ما تتمنى تقوله وأنت على يقين أن الله سيكرمك بتحقيقه أو بكف سوء عنك كان مقدرا. وأنت تناجي الله أو تجهر بأمنيات، هذا الأمر يعني أن ملء قلبك إيمان دافع لك للوقوف على باب الرجاء.

• العشر الأواخر وليلة القدر بالذات.. بين الطفولة والآن، ما هو القاسم المشترك بينهما؟

•• في طفولتنا لم نكن نعرف إلا أن اسمها ليلة القدر! التي تفتح فيها السماء ليدعو الجميع وأن هناك أيدي الرحمن تنتظر أمنياتنا ودعاءنا ليتحقق هذا لدى أحد الناس الذين نعرفهم، لنردد ونحن في أعمارنا الباكرة أن فلانا فتحت له ليلة القدر وحققت أمانيه، وكنا في طفولتنا في الحارة لا نعرف إلا أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين من رمضان قبل أن نكبر وتكبر معنا عقولنا لنعرف أن الله جل وعلا أراد منا الاجتهاد في الليالي الوترية من الأواخر لكون إحداها هي ليلة القدر.

• برأيك ماذا قدم المسلمون العرب لمجتمعاتهم ولدينهم قبل ذلك؟ هل أفاد منهم دينهم ومجتمعاتهم؟ أم هم الذين استفادوا منها؟

•• أنت هنا تتكلم بالمطلق.. وأنا أقول إن المسألة نسبية، فالأمر يختلف من فرد إلى آخر ومن أمة إلى أخرى فما بالك وهناك فرق بين أمة خلت وأمم ستأتي، وكلنا في هذا الأمر مطالبون بأن نقدم لديننا وأوطاننا ولأنفسنا ما فيه العزة والسؤدد. اللهم اجعلنا ممن لا يألون جهدا في سبيل رفعة كلمة الله وأدم علينا نعم الأمن والأمان والرخاء واحفظ لنا قيادتنا.

• قمت بغناء لا إله إلا الله، من كلمات عائض القرني، هل تستهويك الكلمات الدينية؟ وهل ننتظر منك عملاً مقبلاً عن ليلة القدر؟

•• نعم، الأمر لا يتعلق هنا بالاستهواء والرغبة بقدر ما هي تجربة واجب خوضها من ذوي العلاقة من الفنانين في مواسم القدسية وغيرها مثل رمضان والحج وغيرهما. لقد كانت لي تجاربي السابقة منذ بداياتي الفنية مع الابتهالات والأغنيات الدينية، قدمت بدءا الابتهال الشهير لشاعرنا الكبير وأستاذي بابا طاهر زمخشري «رباه» الذي كان قد شدا به قبلا أستاذنا سعيد أبوخشبة. ثم كانت لي خطواتي اللاحقة في هكذا ألوان إنشادية إلى أن جمعتني رحلة سفر مع الشيخ عائض القرني قبل سنوات فأخذنا الحديث عن الشعر والكلمة الدينية والتوجيه فكانت «لا إله إلا الله» ابتهالا رمضانيا، ثم قدمت بعدها عملا دينيا في رمضان الذي تلاه فاستمرأت الفكرة وأصبحت أقدم في كل رمضان أعمالا على هذه الشاكلة وأوزعها على الإذاعات المسموعة والمرئية ومختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بما فيها اليوتيوب مجانا، دون مقابل مادي، لأني أرى من وجهة نظر خاصة أن هذه هي مهمة كل فنان مسلم ومرتبط بدينه. وقبل أعوام في رمضان قدمت عملين دينيين من ألحان الملحن الأردني الصديق الدكتور أيمن عبدالله، أحدهما من أشعار الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله، وتم إعدادهما للتلفزيون بإشراف فؤاد رماني، ووزعا على مستوى العالم، وفي رمضان الحالي قدمت ابتهال سعيد أبوخشبة الشهير أيضا «يا رب»، وتمت إذاعته من كل وسائل الإعلام وموجود على اليوتيوب أيضا.

وعن عمل ديني لليلة القدر تحديدا سأعتبر أن هذه الفكرة مستقاة من سؤالك في «عكاظ» الحبيبة الصحيفة التي ارتبطنا بها كثيرا في مراحل عملنا الفني الطويلة وسأفكر في أن يكون عملي الرمضاني القادم عن ليلة القدر.

• أخيراً.. لديك وصايا عشر سريعة؟ فمن تختار أن توصي في مثل هذه الليالي الروحانية؟ وما هي وصاياك العشر؟

•• إذا ما كانت هناك ضرورة لتوجيه وصايا عشر في رمضان هذا الذي نعيشه فإني أرى أن توجه لأبناء وطني في هذه الظروف العصيبة التي تمر بأمتنا، إذ إنه على كل سعودي أن يحافظ على وطنه وقيادته وأمن هذا الوطن، وأن يعتبر نفسه، فردا مسؤولا عن هذا الوطن الذي أعطانا الأمان وجعلنا ننجح في أعمالنا والتقدم إلى مصاف الأمم الأكبر بفضل من الله ثم بفضل ما هيأته لنا هذه القيادة الرشيدة، وأن ينظر كل منا إلى ما يجري حولنا في كل مكان.