علي الرباعي (الطائف)
لم ينجح تيار ما عرف بالصحوة في اختطاف أنس الطائف لأكثر من ثلاثة عقود، فالخطاب الذي استغل مساحات حسن الظن به شوّه التاريخ وعبث بالجغرافيا، وغيّب كل مظاهر البهجة إلا أنه أسقط في يده عندما انكشف عن جرمه الغطاء، وتبدى له ما كان يبيّته أعداء الوطن من كيد وخطط مدمرة للوعي وحسن الانتماء للوطن السعودي، فأفاق المجتمع سريعاً وعاد يبحث عما يداوي به ندوب الصحوة.

وكانت سوق عكاظ منطلقه لاستعادة ما سلب منه بذرائع لا تمت لدين الإسلام ولا لطبيعة المجتمع بصلة، وربما غفل الصحويون أن الطائف عروس تحتفظ بعذرية الهوى وصدق العشق، كتب لها عبدالله الفيصل أصدق رسائل العشق، وطبع دايم السيف في ذاكرتها أبدع النصوص، وتغزل بها معاوية بن أبي سفيان عندما قال «أنعم الناس عيشا من يقيظ بالطائف»، وعندما رأى الشاعر عروة بن حزام حمامة على غصن شجرة خارج أسوار الطائف قال: (أحقا يا حمامة بطـن وج، بهذا النوح أنك تصدقينـا، فنوحي يا حمامة نوح شوق، فقد هيجت مشتاقا حزينـا).

وقال عنها المستشرق الفرنسي «سيديو» ربوع الطائف معتدلة المناخ وعذبة المياه جعلتها مصدرا من مصادر الثروة الاقتصادية إذ كان المصيف الأول لأهل مكة. وذكر الدكتور جواد علي في كتاب «العرب قبل الإسلام» مدينة الطائف ما زالت مصيفاً طيبا يقصده أهل مكة هروبا من وهج الشمس، ولن تنسى ذائقة العشاق ما قاله الشاعر أحمد إبراهيم الغزاوي (ألا يا حبذا أيامنا حـول «قـروة» إذ الناس في حظ من البشر دائب)، فيما كتب لها إبراهيم خفاجي ومحمد الفهد العيسى وأحمد سراج ومحمد مخلص ومحمد الناصر السويلم ومحمد المعمر وفؤاد الخطيب وعوض الله أبو زيد.

ولن تتنكر أسماع الطربيين لأغانٍ خالدة منها يا ريم وادي ثقيف لطارق عبدالحكيم وله أكثر من 20 أغنية في الطائف و(روحي فدى قروى واللي سكن فيها) لهيام يونس، و(رمان الطائف) لفهد بلان، وغنى أبوبكر سالم (يا مسافر على الطايف طريق الهدا) وطلال مداح (جينا من الطايف والطايف رخا) وسلامة العبدالله (تولعت بك والله كتب لي على فرقاك)، كما غنت سميرة توفيق، ونجاة الصغيرة، وتغنى بها وديع الصافي، ومحمد عبده، وعلي عبدالكريم وعبدالله المرشدي.

ويؤكد الروائي عبدالعزيز الصقعبي لـ «عكاظ» أن تركيبة الطائف السكانية قامت على توليفة سكانية جمع بينها تعايش قل نظيره في منطقة أو مدينة أخرى، واستعاد الصقعبي عكاظ الثمانينات من القرن الماضي، إذ كانت المدينة تنبض بالحياة والهدوء والفنون، موضحاً أنه كان ينتقل من فعالية في أدبي الطائف إلى سهرة فنية في جمعية الثقافة والفنون، وفي كل أسبوع تقام فعاليات ثقافية وفلكلورية.

وأكد أن كبار السن يتذكرون حدائق نجمة المهيأة للعائلات والأفراد بمقاعدها النظيفة ومكبرات الصوت الصادحة بصوت أم كلثوم مع تأمين العصائر والشاي والقهوة، فيما يرى الناقد الدكتور سلطان القحطاني أن ما سمّيت بالصحوة اختطفت الطائف وغيّبتها لما يزيد على ٣٠ عاماً حتى أيقظها خالد الفيصل من غفوتها، ومحا عن ذاكرتها تشويه الحركيين والحزبيين، مبدياً سعادته وكافة ضيوف سوق عكاظ باستعادة الطائف طبيعتها وعودتها مجدداً لممارسة حقها في الحياة.