يحمد للأمير سلطان بن سلمان تدشينه لكتابه «الخيال الممكن» وطرح تجربته المتفردة التي تمثل مرحلة تحدٍ كبرى، وتؤرخ لحقبة بالغة الحساسية ومتعددة الأبعاد الاجتماعية والإدارية والاقتصادية، وكيف له أن يتناول بعض من هذه التجارب، فيما يحجم عن ذكر البعض الآخر (غير القابلة للنشر)، وهو ما قد يمثل مرحلة احتدام صراع مع الذات، لا يخرج من أتونها سوى رجل متصالح مع نفسه ومع مجتمعه كالأمير سلطان!!

ولعل أجمل وصف سمعته عن هذا المؤلف الذي استغرق خمس سنوات أنه لا يمكن اعتباره سيرة ذاتية ولا توثيقا لتجربة عملية، وإنما هو مزيج من هذا وذاك، استخدم المؤلف من خلاله الوصف والتحليل في آن واحد، وفقا لوصف الصديق فهد السلمان الذي لم يخفِ إعجابه بقدرة المؤلف على تحييد شخصيته الاعتبارية، وهي الفكرة التي كونها أثناء مراجعاته لفصول هذا الكتاب!! الكتاب الذي لم أطلع عليه بالكامل، وإنما اطلعت على نسخة الزميل الدكتور علي الرباعي في بهو الفندق فقط، يوثق لتجربة شخصية ومؤسسية بالغة التعقيد قد لا تستمد رؤيتها من المنظور الاقتصادي وحسب، كما هو حال معظم التجارب الدولية، وإنما من خلال جملة من المكونات الاجتماعية التي ترسبت في قاع هذا القطاع وكونت مساحة عميقة، ورغم كونها قابلة للأخذ والرد، إلا أنها لم تأخذ نصيبها من الحوار الاجتماعي المأمول طوال هذه الحقبة.

وسوف يسجل التاريخ للمؤلف أنه ظل طوال هذه الفترة حريصا على أن لا يعمل بردة الفعل وأن لا يرد على منتقديه أو منتقدي الهيئة بحدة أو تشنج كما أكد على ذلك بنفسه أثناء تقديمه للكتاب، وأنه بدلاً من ذلك عمل على استقطاب كل المعارضين والمرتابين مستخدما سياسة النفس الطويل وهو ما سوف يحكم الزمن عما إذا كان مثل هذا المنهج هو الأنسب لإدارة هذا القطاع والتخارج من مآزقه الخطيرة، وتجنب الزوابع والمطبات غير المحسوبة، حتى وإن كان ثمن ذلك التأني والتروي وتأخر الوصول إلى الغايات والأهداف التي كانت من وراء تأسيس هذه الهيئة.

ثمة حقائق جمة لامسها الكتاب والتي كان يتسم طرحها بروح المسؤولية أحيانا، والتحدي أحيانا أخرى، من بينها قوله «لو وجدت السياحة المساحات والدعم في البدايات لكانت المملكة من أوائل الدول السياحية على مستوى منطقتنا»، وهو طرح بمنتهى الوضوح والشفافية، وهو ما أراه يشكل مدخلا وطنيا هاما لمناقشة أبعاد هذه الحقبة وإعادة اكتشافها اجتماعيا من جديد للوصول من خلالها إلى حلول للمرحلة القادمة التي تهم اليوم جيلا جديدا بأكمله.