علي الرباعي (الطائف)
أثار شعراء في شهاداتهم عن تجاربهم الشعرية شجن الحضور المحدود مساء أمس الأول في الخيمة الثقافية لسوق عكاظ. وكشف الشاعر علي الدميني عن تعلقه بالشعر الشعبي وتحديداً شعر العرضة بما يقوم عليه من فن الشقر، ولاحقاً اقترح على أبيه أن يسهم بقصيدة في إحدى المناسبات، فطلب منه أن يسمعه ما سيقول، ثم علّق الأب بقوله «ليست سمينة»، فأغلق باب الشعبي نهائياً عدا التذوق وترديد ما يفتنه، وتضمينه في بعض نصوصه الفصيحة، لتفتح زيارة الملك سعود إلى مصر واستقبال الرئيس جمال عبدالناصر له باباً على الشعر الفصيح بدأ بتحية إلى الزعماء «إلى القمة العلياء وهي فتيّةٌ، تهب إليها روحنا العربية». ولفت الدميني إلى أن للقرية بصمتها على شعريته من خلال مناخها الحر، وفضائها النقي، وسرد الحكايات المدهش والساكن في أعماق القلب، مشيراً إلى أن للفقد والنسيان أثرهما على تجربته؛ إذ إنه منذ طفولته الأولى عاش فقد الأم، ثم نسي محاولاته مع الشعر الشعبي، ثم فقد المنطقة بانتقاله إلى جدة لدراسة المرحلة الثانوية وابتعاده عن مظلة البيت واعتماده على نفسه مبكراً، لينسى كل متاعب الفقد، ويعزز علاقته بالأشياء كي لا يفقدها ويحيل الفقد المحسوس إلى فقد إيجابي. وعد الدميني ثيمة النسيان فضيلة كونها أسهمت في خلق روحه المتسامية والمتسامحة ومنحه مهارة التجدد والانفتاح على المختلف، والنظر إلى نصف الكأس الفارغ بتفاؤل وأمل، والانتقال الانسيابي من شعر شعبي إلى فصيح، ومن عامودي إلى تفعيلة. فيما حرمته حالة الفقد السلبي من كتابة قصيدة النثر التي جرّبها عام 1975 ولم تنجح في غوايته كونه تحصّن بما في شعر التفعيلة من مباهج، واستعرض الدميني مراحل تطور تجربته في جامعة البترول ثم صحيفة اليوم، ومجلة النص الجديد، ولم ينف تأثره بالشاعر العراقي بدر شاكر السياب، وجيله بحكم أن القروي يميل إلى النصوص الملحمية لتعويض ما فقد من سرد الأمهات والجدات، وعزا إلى المرأة فضل تحول نصه إلى الحياة، إذ من خلالها قبض على حصته من مشروع بناء الكون، فدخل معمل فتنة الكلمات ليرتوي من الينابيع ويروي مظان الجمال ويعلن هجاء القبح.

فيما تناول الشاعر أحمد قران في شهادته تجربته مع الرحيل من البيت إلى الوادي لينفتح على عالم النساء والغناء والزير والعرضة، ولاحقاً من القرية إلى المدينة، حيث المعلمون والزملاء في المعهد العلمي، ومن الباحة إلى جدة للدراسة الجامعية لتتحول السيدة المدينة إلى عشق ربط بينه وبين البحر بمده وجزره، وتعلقه بالناس بكل مكوناتهم وألوانهم وأزيائهم، وشكّل المتنبي ونزار ذائقته ليعبر عن الحب بالحب، لتنتقل به ومعه التجربة إلى القاهرة وتسجل نقلتها النوعية في ظل فضاء شعري ونقدي تراكمي.

وقدم الشاعر العماني حسن المطروشي في شهادته ملامح ونماذج من التجربة تقوم على ثيمتي الفقد والارتحال، كون الطفل الذي كان والده يعمل في البحرين عاش مبكراً الترقب والانتظار ومراقبة الموانئ على أمل أن يأتي من لا يأتي، ما دفعه للاحتماء بحضن الأم، وملاحقة النوارس، ورصد وصية مستودعة في قارورة يزفها الماء إلى سواحل عاشق السفر والترحال.