سعود الرشود(حائل)تصوير:راشد الثويني

هل عاد مذهب الظاهرية للظهور مجددا بعد الحادي عشر من سبتمبر! وما هي رؤية أهل الظاهر لقضايا العصر.. وأين ومتى يتفقون ويختلفون مع المذاهب الأربعة. وكيف هو تعاملهم مع النصوص. ثم ما مدى انتشار هذا المذهب في المملكة، ومن هم شيوخه؟. حوار مع الشيخ أبو عبدالملك الظاهري سعود بن خلف بن نويميس الشمري احد شيوخ المذهب في المنطقة، تطرق خلاله الى قضايا معاصرة دار حولها الكثير من الجدل، كقيادة المرأة للسيارة واباحة الموسيقى والغناء.
هل الظاهرية مذهب سني خامس أم أنها منهج فلسفي من بدع أهل الكلام، خصوصا وأنها ظهرت في حواضر المسلمين وأطرافها في أوج المعركة الكلامية. أم أن الظاهرية حركة سياسية امتطت التدين؟
- المذهب الظاهري هو مذهب أهل السنة من الصحابة رضي الله عنهم وآل البيت الطيبين الطاهرين قبل وجود المذاهب الفقهية الأربعة وقبل وجود المذاهب العقيدية كالتشيع والاعتزال ومذهب الأشعرية والخوارج. وليس هو مذهب إمام بعينه فهو كما قال شيخنا الإمام العلامة أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري: (المذهب الظاهري اتباع لرجحان الفكر بواسطة الخطاب الشرعي). إذاً فليس هو منهجا فلسفيا ولا حركة سياسية .

هل فشلت الظاهرية في تقديم نفسها؟ أم أن منهجها لم يجد قبولا؟ ولماذا عادت للظهور مجددا؟.
- لم يفشل أهل الظاهر في تقديم مذهبهم. فقد انتشر في العراق وخراسان والأندلس وغيرها. والظاهرية هم سلاطين التأليف كداوود وتلميذه ابن جرير صاحب أعظم تفسير على الإطلاق بشهادة شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حزم صاحب المحلى وهو أعظم كتاب فقه على الإطلاق بشهادة العز بن عبدالسلام والبخاري ومسلم في أعظم كتابين في الحديث بشهادة جميع الأمة وابن أبي عاصم صاحب المثاني والآحاد وكتاب السنة في عقيدة السلف وغيرهم كابن المغلس وابن مفلت ومنذر بن سعيد والشوكاني والألباني وشيخنا العلامة أبو عبدالرحمن ابن عقيل بعضهم ارتبط اسمه بالمذهب وبعضهم لم يصرح ولكن عرف في فقهه وتبويبه وبعضهم نصح به.

إذن كيف تفسر قلة أتباعها؟ وضعف انتشارها؟ وقلة مشاركاتها؟
- بالعكس أتباعها الآن كثيرون. وهم منتشرون في جميع أصقاع العالم، لا في مكان واحد كبعض المذاهب الأخرى.

القياس هو الأصل الرابع لدى عموم المذاهب الإسلامية. فلماذا ترفضون القياس كمبدأ تشريعي؟ وإلى أي مدى ترفضون الإجماع كذلك؟
- نرفض القياس لأنه أصل لم ينزل الله به من سلطان. فلا دليل عليه من كتاب ولا من سنة ولا من إجماع. وما كان كذلك فهو باطل يجب التنكب عنه وتنزيه الشريعة عن كل قول لا دليل عليه. وقد قال صلى الله عليه وسلم (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد). وقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الأغلال والاصار التي كانت على الأمم قبلنا. والقياس عنت وتكلف لا يطاق. وقد جاء في صحيح مسلم قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا)، قال الإمام داود الظاهري: (عمومات الكتاب والسنة أغنتنا عن القياس .. أما الإجماع فهو أصل من أصولنا لم يقل أحد من أصحابنا بنفيه .. ولابد من التحقق في الإجماع فقد قال الإمام احمد من ادعى الإجماع فقد كذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا).
مشايخ الظاهرية

حسنا، هل للظاهرية مرجعياتها في العصر الحاضر. ومن أبرزهم؟
- قطعا.. وأبرزهم شيخنا الامام العلامة أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري، حفظه الله، فقد هذب المذهب وذب عنه وذكر الأخطاء التي وقع فيها الإمام ابن حزم في الصفات والمسائل والتي جمد عليها رحمه الله وقال: (أصاب ابن حزم في التأصيل وأخطأ في التطبيق). وهناك أئمة لم يصرحوا بظاهريتهم، لكنهم عرفوا بانتصارهم للمذهب، والأخذ عنه، والتركيز على أصوله، كالإمام الألباني الذي كان له الفضل بعد الله عز وجل في كوني ظاهري المذهب وذلك بعد أن أشار عليّ بقراءة (الأحكام) و(المحلى) وحذرني من الجمود. وكان يسميه (الجمود البغيض)، وحذرني أيضا من حكم ابن حزم على بعض الرجال.
وقد ذكر شيخنا في كتابه (الحياء من العيبة) بعض أهل الظاهر المعاصرين كالشيخ عبدالعزيز الحربي والشيخ عايض القرني، ومن قبل أبو تراب رحمه الله تعالى. وهناك مشايخ كثيرون بفضل الله تعالى في جميع أنحاء الوطن وخارج الوطن. ومن قبل الامام الشوكاني إن أردت أن يكون زمنه داخلا في قولك العصر الحديث.

تحديدا، من هم شيوخ الظاهرية ومرجعياتها في المملكة؟
- على رأسهم الإمام العلامة اللغوي الأصولي المتحدث المؤرخ الشاعر الأديب صاحب التصانيف الكثيرة والجلية والمفيدة مهذب المذهب الشيخ أبو عبد الرحمن الظاهري، والشيخ أبو تراب الظاهري عليه رحمة الله تعالى وغيرهم ممن تقرأ عنهم في كتاب (الحياء من العيبة)، أما طلبة العلم فلا يعدون كثرة بفضل الله علمت ذلك من كثرة اتصالاتهم بي.
المرأة، الدين، والعادة

تحمل فكرا شاطا يذهب بعيدا ناحية الاختلاط بين الجنسين؟ ما هي أدلتكم في جواز ذلك؟ وإلى أي مدى تذهب الظاهرية في هذا السياق ؟
- أنا لا أحمل فكرا بعيدا، وإنما هو القريب جدا لمقاصد الشريعة والحضارة والبعيد عن التزمت. وأنا لا أتكلم عن جميع أهل الظاهر، فإنهم كغيرهم من أهل المذاهب كل له فهمه. فانا أتكلم عن نفسي فأقول: المرأة كما تقول العامة (منا وفينا) أم وأخت وبنت وزوجة وقريبة وصديقة وزميلة وجارة. فلماذا هذه الحرب عليها وما هذه الحساسية التي ليس لها وجود في زمن النبي صلي الله عليه وسلم والصحابة ولا في زمن التابعين. إن هي إلا عادات تزعمها البعض فألزموا المسكينة بما لم يلزمها الله به ولا رسوله عليه الصلاة والسلام ولا أهل العقل فعزلوها عزلا وبخسوها حقوقها.
وإن كان الأصل أن لا يطلب الدليل من المبيح وإنما يطلب من المحرم، إلا أني أورد ما يحضرني الآن مما يسره الله تعالى فأقول: لا أحد ينكر الاختلاط الشديد في مناسك الحج والعمرة لا سيما في أطهر بقعة على وجه الأرض (حول الكعبة) وكذا في الجمرات، ذلك الاختلاط الذي لا ينكره أحد.
وكذلك في الغزو، كانت الصحابيات يسعفن المصابين بل هناك من مارسن القتال. وتعرفون قصة أم عمارة وغيرها وتعرفون عائشة وموقعة الجمل وكذلك خديجة هي التي خطبت النبي صلي الله عليه وسلم وكذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي. وقد جاء في حديث أسماء قالت قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتنة التي يفتن بها المرء في قبره فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة حالت بيني وبين أن افهم كلام رسول الله فلما سكنت ضجتهم قلت لرجل (قريب مني) أي بارك الله لك ماذا قال رسول الله آخر قوله؟ قال (قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريبا من فتنة الدجال). أرأيت! كانوا جميعا لا حساسية ولا تنطع.
اباحة الغناء

الظاهرية لا ترى حرمة في استخدام المعازف في الغناء؟ ما هو دليلكم؟ وهل هناك تأطير للغناء المسموح به؟ أم أن الأمر متروك لتقدير الأشخاص؟
ليس هنالك مذهب من المذاهب الإسلامية إلا وفيه طائفة تذهب إلى إباحة الغناء والعزف وعلى ذلك مذهب أهل المدينة.
والموسيقى التي لا يصاحبها عري او كلام فاحش أولا: لا دليل يمنع من استعمالها أو الاستماع إليها لا من كتاب ولا من سنة ولا من إجماع. والادلة التي جعلوها دليلا على التحريم ليس فيها ما يدل على التحريم.
ثانيا: الموسيقى علم يدرس في الجامعات الأجنبية. وهي لغة الشعوب. ويقال: (إذا أردت أن تتعرف الى حضارة شعب فاستمع إلى موسيقاه). وهذا صحيح. على شرط الا يصحبه عري، ولا كلام فاحش، ولا ما يسيء إلى الدين. وما سوى ذلك فأحلُّ من الفقع، والذي لا يريد أن يسمع لم يجبر على الاستماع، لكن عليه في الوقت نفسه الا يمنع الناس من التمتع بما هو حلال لا سيما إذا لم يكن ديدن الإنسان ولا في وقت صلاة.

بالمناسبة، لمن تستمع من المطربين يا شيخ؟ ومن هو مطربك المفضل؟
- ليس لدي الوقت للاستماع. ولو قدر ذلك، لاستمعت لرياض السنباطي على العود فقط ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وصباح فخري وطلال مداح وعبادي الجوهر، لا سيما على العود، وفهد بلان وعبدالهادي بلخياط ومحمد مرشد ناجي وكاظم الساهر وأسمهان وفيروز وابتسام لطفي. ولا أحب أن استمع إلى ما يسمى بالمدرسة الشبابية، ولا مدرسة التركيز على التراثيات، فهما مدرستان فاشلتان ترجعان بالأمة إلى الخلف.
القياس مع القيادة

هل للظاهرية رأي مختلف في قيادة المرأة للسيارة.. ولم لم نسمع صوتكم في هذه القضية؟
- أنا أتكلم عن نفسي كما قلت لك. وأهل الظاهر، كغيرهم من أهل المذاهب، كل له فهمه. وليس لدي دليل واحد يشير حتى للكراهة.
وخصومنا في هذه المسألة أهل قياس. وتالله لو كان القياس حقا، لما كان هنالك قياس أحسن من قياس السيارة على الدابة. بل ان السيارة تفضل البعير بالستر، فلا ترى ساق ولا غيرها. أما البعير فيرفع المرأة جدا حتى يرى كل الخلق.
ويذكر خصومنا في هذه المسألة أحيانا سد الذريعة-وسد الذريعة كما قال الامام ابن حزم (لم ينزل الله به من سلطان)- وقالوا ربما يحصل عطل أو بنشر فتضطر إلى من يساعدها. قلت: وكذلك البعير، وهو نفس يعتريه ما يعتري الأحياء، يمرض وينكسر وتلدغه حية.
ثم ما المانع إذا تعطلت أن يساعدها رجل، بل ربما امرأة مثلها. ولقد رأيت مرة سيارة مليئة بالنساء العاقلات يقود بهن السيارة طفل صغير فتألمت حسرة عليهن. ورأيت امرأة يقود بها السيارة سائق وسيم فقلت أين سد الذريعة المزعوم. 

 هل هناك موقف معلن للظاهرية من الأحداث الأخيرة. أقصد ظاهرة الإرهاب؟  
- أجل. لقد كان موقف شيخنا أبي عبدالرحمن مشهورا في تواليفه ولقاءاته.
وكذا الشيخ عايض القرني، الذي فعل الكثير بمقابلاته وإرشاداته للمنحرفين في هذا الشأن.