محمد تقي العثماني *

موضوع هذا البحث معرفة الحكم الشرعي في مسألة زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص، واعادته الى محله بعملية من عمليات الطب الحديث، هل يجوز ذلك شرعا؟ وما حكم من فعل ذلك؟
وبما أن المسألة أخذت اليوم مكانها من الأهمية بفضل ما وصل إليه التقدم الطبي في مجال زرع الأعضاء الذي لم يكن متصوراً في الأزمنة الماضية، فقد يزعم الزاعمون أنها مسألة مستجدة لا يمكن أن يوجد لها ذكر صريح في كتب الفقهاء السالفين، ولكن هذا الزعم غير صحيح. والواقع ان الفقهاء المتقدمين ذكروا هذه المسألة ودرسوها من النواحي المختلفة بما يدل في جانب على مدى توسعهم في تصوير المسائل ودقة انظارهم في بيان الاحكام، وفي جانب آخر على ان اعادة العضو الى محله لم يكن أمرا غير متصور في عهدهم، بل كان أمرا عرفه وجربه المتقدمون، حتى في القرن الثاني من الهجرة، اذ يتحدث عنه الامام مالك رحمه الله بكل بصيرة طيبة لا تزال صادقة حتى اليوم

أما المسألة الثانية فهي ان الجاني اذا قطع عضوه من القصاص، فأعاده الى محله بعد استيفاء القصاص، هل يعتبر ذلك مخالفة لأمر القصاص، فيقتص منه مرة أخرى؟ أو لا يعتبر؟
فجزم الامام الشافعي رحمه الله تعالى بان القصاص قد حصل بإبانة عضو الجاني مرة، فلو اعاده الى محله فانها لا يلغي استيفاء القصاص السابق، فلا يقتص منه مرة ثانية، وان ترك العضو المزروع في محله لا يعتبر مخالفة لأمر القصاص، قال رحمه الله بعد بيان المسألة الأولى وهي اعادة المجني عليه عضوه الى محله (وان لم يثبته المجني عليه، أو أراد اثباته فلم يثبت وأقص من الجاني عليه، فاثبته، فثبت، لم يكن على الجاني أكثر من ان بيان منه مرة، وان سأل المجني عليه الوالي ان يقطعه من الجاني ثانية لم يقطعه الوالي للقود، لانه قد أتى بالقود مرة إلا أن يقطعه لانه ألصق به ميتة).
فظهر ان الجاني لا يمنع من ذلك، ولا يقطع عضوه مرة ثانية، لمخالفته لموجب القصاص وأما ما ذكره الشافعي رحمه الله من الأمر بقطعه بسبب الصاق الميتة فسيجيء الكلام على ذلك تحت المسألة الثانية ان شاء الله تعالى.
وأما الحنابلة، فعندهم في هذه المسألة قولان: أحدهما موافقة للشافعية، وجزم به ابن قدامة في المغني، فقال (وان قطع اذن انسان، فاستوفى منه، فألصق الجاني اذنه، فالتصقت، وطلب المجني عليه ابانتها، لم يكن له ذلك، لان الابانة قد حصلت، والقصاص قد استوفي، فلم يبق له قبله حق.. والحكم في السن كالحكم في الاذن).
ولكن جزم ابن مفلح في الفروع بانه يقتص من الجاني مرة ثانية، فقال (ولو رد الملتحم الجاني أقيد ثانية في المنصوص).
واختاره المرداوي والبهوتي أيضاً، قال البهوتي رحمه الله (ومن قطعت اذنه ونحوها قصاصا، فألصقها فالتصقت، فطلب المجني عليه ابانتها، لم يكن له ذلك، لانه استوى القصاص، فقطع به في «المغني» و «الشرح»، والمنصوص انه يقاد ثانيا، اقتصر عليه في الفروع، وقدمه في المحرر وغيره، قال في «الانصاف»: في ديات الأعضاء ومنافعها: أقيد ثانية على الصحيح من المذهب. وقطع به في التنقيح هناك وتبعه في «المنتهى» قال في شرحه: للمجني عليه ابانته ثانياً، نص عليه لأنه أبان عضواً من غيره دوماً، فوجبت ابانته منه دواما لتحقق المقاصة.
واما المالكية فقد ذكروا اعادة المجني عليه عضوه، كما نقلنا عنهم في المسألة الاولى، ولم يذكروا اعادة الجاني عضوة بعد القصاص بهذه الصراحة التي وجدناها في كتب الشافعية والحنابلة. ولكن وجدت للمسألة ذكراً مختصراً في كلام ابن رشد رحمه الله، حيث يقول «فان اقتص بعد ان عادا لهيئتها، فعادت اذن المقتص منه او عينه فذلك، وان لم يعودا، او قد كانت عادت سن الاول او اذنه فلا شيء له، وان عادت سن المستقاد منه او اذنه، ولم تكن عادت سن الاول ولا اذنه غرم العقل. قاله اشهب في كتاب ابن المواز».
وحاصله ان اعادة الجاني عضوه انما لا يؤثر في القصاص، اذا كان المجني عليه اعاد عضوه ايضا، اما اذا لم يعد المجني عليه اعاده الجاني، فان الجاني يغرم العقل.
اما الحنفية، فلم اجد عندهم مسألة اعادة الجاني عضوه ولكن ذكر في «الفتاوي الهندية» عن «المحيط» مسألة تشابه ما نحن فيه، وهي ما يلي «اذا قلع رجل ثنية رجل عمداً، فاقتص له من ثنية القالع، ثم نبتت ثنية المقتص منه، لم يكن للمقتص له ان يقلع تلك الثنية التي نبتت ثانياً.
وهذا يدل على ان الاصل عند الحنفية ان المجني عليه انما يستحق ابانة عضو الجاني مرة واحدة، وليس من حقه ان يبقى العضو فائتاً على الدوام، فالظاهر ان مذهبهم مثل الشافعية في هذه المسألة وذلك لأمور:
1- انهم اجازوا بقاء الثنية الناتبة بنفسها، ولم يروها معارضة لمقتضى القصاص، مع انها احكم واثبت من السن الملصقة، واكثر منها نفعا، فالظاهر ان السن المزروعة اولى ان لا تكون معارضة لمقتضى القصاص.
2- قد ذكرنا في المسألة الاولى ان المجني عليه اذا اعاد عضوه الى محله، فان ذلك لا يؤثر في ما ثبت على الجاني من القصاص والأرش، بل يجب القصاص كما كان يجب عند عدم الزرع، فيقاس على ذلك زرع الجاني عضوه، وانه لا يؤثر في ما استوفى من قصاص، والا فليس من الانصاف ان يزرع المجني عليه عضوه، ويمنع الجاني من ذلك بتاتا.
فالراجح عند مذهب الشافعية وجماعة من الحنابلة وهو مقتضى مذهب الحنفية، ان القصاص يحصل بإبانة العضو مرة واحدة، ولكل واحد من الفريقين الحرية في اعادة عضوه بعملية طبية اذا شاء، فلو فعل ذلك الجاني، ولم يفعله المجني عليه، فان ذلك مبني على ان كل واحد يتصرف في جسمه بما يشاء، ولا يقال ان عمل الجاني مخالف لمقتضى القصاص، كما اذا اعاده المجني عليه، ولم يعده الجاني، فان ذلك لا يؤثر في امر القصاص، وكل واحد يختار في معالجة ضرر جسمه ما يتيسر له، ولا سبيل الى المساواة بين الناس في علاج اجسامهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

* قاضي القسم الشرعي بالمحكمة العليا لدولة باكستان ونائب رئيس جامعة دار العلوم بكراتشي وعضو نائب رئيس مجمع الفقه الاسلامي بجدة