كانوا يقولون الكرة تصلح ما تفسده السياسة، واتضح أخيرا العكس، بل إن الكرة تفسد كل شيء وليس فقط السياسة، أفسدت الفن والأدب والعلاقات والاقتصاد والتاريخ وحتى الحب، لم تترك شيئا إلا وتدخلت فيه وجابت عاليه واطيه، وفجأة اكتشفنا أن اللعبة صارت عند العرب مذبحة، وأنهم قوم لا يكفيهم ما فيهم من ويلات، حتى اللعب جعلوه مأتما، وأخطر ما في لعبة كرة القدم أنها الشيء الأكثر جاذبية وانتشارا بين الشباب الذكور؛ أي أنها «المغناطيس» الجاذب للفترة العمرية الشبابية .. فترة الطاقات الساخنة، والعضلات النامية، والفتوة الغاشمة التي تستطيع أن تبطش وتدمي، أي نعم المشجعون من مختلف الأعمار وكبار السن قد يضاهون الأصغر سنا في الولع بها، لكن الاختلاف يكمن أن كرة القدم مع الشباب تؤثر في النمو، ومع الكبار تسلي النمو، وأحيانا تقتله!.
أما الخطر الآخر المهدد لسلامة الأحياء على الأرض فهو ليس الأوبئة ولا التلوث البيئي ولا السحابة السوداء ولا الكوارث الطبيعية، بل الإعلام الفضائي، الذي يجيد الصيد في العكر، وينشر الفتن، ويخوض في وحل الأرض ضاربا عرض الحائط بكل الأخلاقيات والقيم المهنية، ويحسب عدد بطولاته بقدراته على توجيه الضربات واللكمات في الجسد الواحد حتى يجعل بعضه ينفر من بعضه، الإعلام الفضائي الخاص الذي يحسب مكاسبه بخسائر الآخرين مهما كان هؤلاء الآخرون أهله، أو ذويه، أو أصدقاءه أو جيرانه، أيا أمة ضحكت من جهلها الأمم، القضية كانت تسعين دقيقة تحولت إلى قضية الوجود كله، كانت مجرد ترشح، تأهل، عبور ... هي ليست الكأس ولا هي قمة الانتصارات لكن أبداً حتى هذا على هونه لم يعجب بعض العرب أن يمر دون أن يكون على الأشلاء والجثث والقيم والأخلاق، والفضل يعود للإعلام المرئي الباحث عن فبركة صوره أكثر مما يبحث عن حقن دماء.
إن ما حدث الأسبوع الماضي في عالم الكرة العربية يثير المخاوف وينشر مساحة القلق أكثر مما هي منشورة حتى الآن بين القارات المسكونة بالجنسيات العربية.
ما حدث يفتح صفحة مطوية في غاية الأهمية من تاريخ الحاضر العربي، تستلزم إعادة قراءة من جديد لبناء جديد يتعلق بالمستقبل العربي المشترك، وإلا قولوا على الأمة السلام، ولن يسود فيها الا الرعاع والهمج والجهلاء والمفسدون والسفهاء.
في هذا التوقيت بالذات الصرخة الوحيدة التي يجب أن تعلو .. أنقذوا الأمة العربية من سفهائها وليس من أعدائها، وقد تكشفت السوءات والعورات في العلاقات العربية التي كانت في انتظار فرصة أول احتكاك، وتمزق ما بقي من نسيج عربي يربط بين العرب، والمأساة أن ينتشر التقليد والمحاكاة في كل لقاء كروي بعد ذاك ويصبح الهدف تدوير الهمجية بين العرب، وتغلب لذة الانتقام لذة الإخاء، هل من عاقل ينقذ الموقف؟


للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 152 مسافة ثم الرسالة